|
|
الفصل الخامس
|
دعا الإخوة يوحنا لقضاء أمسية معهم، وأسموها ’أمسية محبة‘. فرح يوحنا بالدعوة. وفي المساء أخذ كل واحد من الإخوة يحكي عن صورة حيّة تتجلّى فيها محبة الله والقريب. وكان يوحنا يصغي بانتباه. قال الأول: "عندما أنظر للأب الحنون المخلص الذي يعتني بأولاده وقد وهب حياته لأسرته. فهو يفرح عندما يتعب، لأنه سيقدّم لأبنائه ما يلزم للحياة. وهكذا يُفرحهم...ويهتم بهم...ويلاعبهم...ويرعاهم منذ لحظة ولادتهم إلى أن يغدوا شباباً. ولا يتركهم...بل يقدّم لهم النصح والعون. ويسارع إليهم عند ألمهم، متمنّياً أن يأخذه عنهم...كما كان يفعل عندما كانوا صغاراً، حين تنتابهم نوبات من الحمّى...فيسهر طوال الليل بقربهم خوفاً عليهم. إن ذاك الأب صورة للآب السماوي الذي يحبّنا ويهتم بنا دائماً...أعطانا أن نولَد في أسرة، ويهتم والدينا بنا. أما الذين فقدوا أحد الوالدين، أو كليهما، يرسل لهم من يعينهم...وذلك لأنه يحب الجميع دون استثناء. أعطانا أنواع الأطعمة الطيّبة، وكل ما نأكل من فواكه وخضار وسمك ولحم وخبز. وزيّن لنا الأرض بالمناظر الساحرة، الجبال والسهول، الأودية والأنهار والبحار. إن عجائب الخلق الرائعة التي تخلب العيون كلها من أجلنا، لأنه أحبّنـا. الورود بأشكالها...حتى الصغيرة جداً تُظهر كم اعتنى الرب فيها. الطيور التي تطير وتحلّق، تشكره على نعمته العظيمة...بعضها صغير، ولكنها تستطيع الطيران لساعات، وبعضها كبير تلمح في عيونه الذكاء والقوة. الحيوانات التي يُلبسها الرب في الشتاء صوفاً أو شعراً فلا تبرد...ويخفّف عنها في الصيف، فلا تحترّ. الحشرات بأنواعها...من الحشرة السوداء تخرج فراشـة زاهيـة الألوان، ومـن الأخرى دواءً لمريض! كلها هبة من الرب الذي يرعى كل مخلوقاته. فما بالك أيها الإنسان لا تشعر بمحبته الخاصة لك ورعايته لك في كل طرقك؟! إنه يمنحك كل ما يلزم لتعيش في محبته وكنفه. إن الأب الحنون، الذي يمثّل صورة الرب، لا يقبل لابنه أن يُخطئ، ولا يتستّر عليه...بل يعاقبه، لأنه يريد له ألاّ يخسر نفسه. إن ذاك الأب يحاول كل الطرق الممكنة...من عقاب وتوسّل وبكاء ومناقشات طويلة...كي لا يتمادى ابنه في الخطأ...بل يريده أن يرجع فيتوب ويعيش في النور حياةً من شأنها أن تمنحه السعادة والسلام. وطبعاً الأب المؤمن الذي يعاقب ابنه عندما يخطئ تجاه الله، يريده أن يكون ابناً لله وليس لهذا العالم. فإن لم يحفظ ابنه الوصايا، لم تتكمّل المحبة في ذلك البيت، ولم يصبح بيتهم بعد مسكناً للمحبة الحقيقية. ولذلك يحفظ الأب المؤمن الوصايا أولاً ويعمل بها، كي يعطي ابنه درساً حيّاً...إنه القدوة والمثل...هو طريق لابنه يوصله للرب...هو له كتاب يقرأ فيه عن الخالق...وهو العمود الذي يصل بيته بالسماء. يربط أسرته بالرب ويقوّيها، ويشجّعها، ويرمّم كسورها، ويشدّد الضعيف من أبنائه، ويداوي المجروح، ويُسعد الحزين كي يصير بيته هيكلاً للروح القدس. وكذلك الآب السماوي لا يترك أبناءه أبداً...يسمح بتجربتهم إذا انخدعوا من شهواتهم، كي يؤدّبهم...وتكون التجربة لتطهير وخلاص نفوسهم. لكنّه لا يُسَرّ بموت الخاطئ، بل بعودته إليه بالتوبة. محبة الآب السماوي دائماً تنادي الابن الضالّ حتى آخر لحظة من حياته: ’ارجع إليّ يا ابني...لا تترك محبتي...هي التي تحفظك وتحميك من شرّك ومن الشر الذي يحيط بك...هي التي تعلّمك كيف تختار الحق والحرّية الحقيقية...هي التي تخلقك من جديد إنساناً آخر...المحبة التي أعطيك أنا لا يعطيها لك أحد آخر، لأنها محبّة نقيّة كالماء...ساطعة كالنجوم...قوية كالجبال...ثابتة كالصخر. لا تنطفئ ولا تخمد...لا تتردّد ولا تخذل...لا تتراجع ولا تتكبّر مثل محبة العالم وشهواته التي تجرح حتى الأقوياء...وكثير من جرحاها قتلى. تعال الآن...إني أنتظرك‘. تُرى ما عسى أن تكون محبة الولد لأبيه عندما يراه قد أحبّه كل هذا الحب؟! إنها محبة ستكبر وتنمو مع الأيام والتجارب. سيتعلّم من أبيه الدروس الكثيرة. ولا بدّ أنه سيرتكب أخطاء كثيرة، لكنه سيعود دائماً إليه...يستقي من محبته، ويجد الأجوبة على تساؤلاته الكثيرة. والأب سيحتضن ولده ويبكي فرحاً بعودته...بل سيسمّيه ’الابن الذي كان ميتاً فعاش، وكان ضالاًّ فوُجِد‘...لأنه عاد الآن إلى أبيه. سيُلبسه خاتم المُلك والحلّة الجديدة، لأنه عاد يعيش في النور ثانية...عاد يرى الحق. إن الأب المؤمن تكون حياته دائماً سراجاً للأولاد. فمهما أظلم طريقهم، لا بدّ أن يستنيروا به. هو الشمعة التي تحترق من أجلهم والتي تهديهم إلى شمس البِرّ...هو وردة فوّاحة، وإن سقطت على الطريق وذبُلت، إلاّ أنها ستُعطّر حياة الأبناء وتذكّرهم برائحة الرب الزكيّة التي تفوح منها المحبة الإلهية. هذا هو حُب الإنسان المؤمن تجاه أولاده، فكم بالحري الله الذين نحن أبناؤه؟! إن الله هو الأب الحقيقي الذي ليس له مثيل ولا يستطيع أحد أن يصير مثله. فنحن نتشبّه بمحبّته، ولكننا لا ندرك كمالها لأنها عظيمة. إن الآب السماوي، عندما يعود إليه ابنه الخاطئ، يستقبله بفرح...يغسله من دنس الخطيئة...يحتضنه بتعزيته...يُلبِسه حلّة النور...ويعطيه الميراث...ويغمر قلبه بالفرح". صفّق الإخوة للأخ الذي تحدّث، ومجّدوا الله. وقالوا: "غداً لنا لقاءٌ آخر مع المحبة". وودّعوا بعضهم. وفي اليوم التالي اجتمع الإخوة. وكان يبدو على أحدهم الألم. فسألوه عمّا به...أجاب: "أحب أن أخبركم عن ’الألم والمحبة‘. إنه لأمر صعب جداً أن نفصلهما عن بعضهما. مَن يستطيع أن يحب دون أن يتألم؟ بل كثيراً ما نتألم لأننا نحب. إن الألم للحب هو كفحص النار للحديد، فنعرف صلابته وقوّته. بل إن الحديد يصبح ليناً بالنار فنصنع منه أشكالاً جميلة. هكذا الحب يصبح بالألم أطهر وألين نرى فيه أموراً جديدة ونعيش فيه بشكل آخر. إن كنت لا أحب جاري، لا أتألّم إذا تجاهلني...إن كنت لا أحب صديقي، لا أتألّم لمشاكله...إن كان حُبّ القريب ليس في قلبي، فأنا إنسان مرتاح لا تُشغلني أموره ولا همومه...ولا مشاكله...والأكثر أنّ حياتي يكون محورها همومي وآمالي أنا فقط. فدون محبة القريب لن أسعى إليه محاولاً مساعدته أو تشجيعه. كم من الناس يحترقون ألماً لِما يرونه من مشاهد عن أطفال يموتون جوعاً أو امرأة تدفن رضيعها بسبب جفاف ينبوع الحليب في صدرها من الجوع! إن الألم الذي يلفّ عالمنا من كل جهة يُحرّك في قلوبنا محبة القريب، فيسرع الملايين في العالم بجمع التبرّعات لإنقاذ المنكوبين بالمجاعة أو بفيضانات أو بزلزال وبراكين...بل وأكثر من ذلك، فهناك المتطوّعون الذين يذهبون إلى أكثر البلاد خطراً بسبب الحروب لمحاولة إنقاذ ما يمكنهم إنقاذه من جرحى...وحماية الأطفال والنساء من ويلاتها. إن نسمة الله التي في قلب الإنسان تدفعه أن يحب رغم الألم، لأنه يريدنا أن نكون أنقياء. ولكن الكثيرين لا يميّزون هذه العطية. إن الكثيرين يساعدون ويضحّون بحياتهم من أجل القريب بدوافع إنسانية. ولو أدرك هؤلاء كم سيكون لعملهم قيمة وكم سيُبارَك وتكثُر ثماره إن كان من أجل الرب، لكانوا اندفعوا بجرأة وقوة أكبر لتأميـن الخبـز لمـن يموت جوعاً، والدواء للذي يموت تحت وطأة المـرض، والملاجئ لأطفال تحت القصف، ومياتم للأطفال المُشرّدين. جميلٌ أن يتراءف الإنسان على أخيه في الإنسانية. ولكن المحبة الحقيقية النابعة من الله تدفعنا أن نسارع لقريبنا، لأننا نؤمن أن الله يحبّنا ويحبّه. ومحبّتنا تُثبّت إيماننا، بل وتزيده، لأن الإيمان دون أعمال محبة هو ميت في ذاته...عمل المحبة نشترك فيه مع الله في تخفيف الألم والشدّة والضيق عن أحبّائه الصغار وشعبه المسكين الذي يصرخ إليه: ’ألا أيها القوي، أرسل لنا عوناً...فقد اقتربنا من الهلاك!‘. إننا بأعمال المحبة نكون مثل سمعان القيرواني الذي حمل خشبة الصليب مع الرب. فإن أعطينا كأس ماء لعطشان باسم المسيح، سيقول لنا يوم مجيئه: ’تعالوا إليّ يا مباركي أبي. رِثوا المُلك المُعدّ لكم منذ إنشاء العالم، لأنّي كنتُ عطشاناً فسقيتموني…‘ . تُرى ماذا سيقول لنا إن ساعدنا إنساناً قد أشرف على السقوط من حَمل صليبه الثقيل؟! المسيح حمل آلامنا وأثقالنا، وحبّاً به نحمل نحن أثقال بعضنا...حتى أولئك الذين لا يؤمنون بالله، سيرون في أعمالنا محبة الله لهم. إنّ أوّل سؤال سأله ذلك المُشرّد على الطريق لتلك الأم ، والذي كان الدود يخرج من جسمه ولم يكن أحد يقدّم له كأس ماء لشعورهم بالقرف منه: لِم تفعلين هذا لي أيتها المرأة الغريبة عن هذه البلاد؟! قالت له: أفعل ذلك من أجل حبيبي يسوع. فقال لها: لا بُدّ أن قلبك أبيض كثيابك! فأجابت: إن ما ألبسه هو لباس نذري للعفّة والفقر والطاعة. دائماً يكون السؤال الأول الذي يطرحه الفقير عندما تأتيه برغيف خبز، وقبل أن يأكله: مَن أرسله لي؟...هكذا أرسل الرب خبزاً للملايين في العالـم عـن طريـق الجمعيات التي تهتمّ بالقريب. إنّ الألم هو الذي يقوّي المحبة...هو الذي يجعلها تُحلّق كالطير لترى من يحتاجها. وما أحوجنا جميعاً للمحبة! ففي داخل الأسرة الصغيرة، نرى عندما يتألّم أحد أفرادها، يجتمع الكل حوله محاولين تخفيف الألم عنه. ونحن، من صرنا للمسيح أعضاء جسد واحد، كيف لا نتألّم لألم بعضنا البعض؟!...بل كيف لا نحبّ بعضنا؟...إن تألّم أصغر إصبع فينا نصرخ ألماً، فكيف إذا تألّمت قلوبنا...قلوبنا التي يسكنها الرب؟! هذا هو الألم الأعظم. ألم الجسد هو ألم حقيقي وصعب. أما ألم الروح فإنه عميق يفحص النوايا...يكشف أسرار النفس. ألم الروح يجعلنا كالعصافير التي ترقص ألماً...ندور ونلفّ في مكاننا باحثين عمّا يخفّف ألمنا...نُحسّ بطعم المرارة، مع أن الماء قريب...لا نستطيع النوم مع أن الفراش مُهيّأ والليل قد حان. كلمةٌ تقتل!. فكثيرون قُتلوا بأرواحهم بسبب اللسان الذي لا يسكت ولا يصمت، بل يُشوّه ويحطّم ويكسر ولا يُداوي. حتى الذين يدّعون الإنسانية ولا يؤمنون، يأبون أن يطعنوا أحداً ولا يداوونه أو أن يرمّموا ما هشّموه...فكيف ينبغي علينا نحن أبناء الله أن نكون؟!. انظروا أبناء الله يقتلون بعضهم بعضاً جسداً وروحاً، وأحياناً كثيرة باسم المسيح!...فأين المحبة يا من تدّعي بأنك ابناً لله وقريبك لا يستطيع النوم لأنك أخطأت إليه بأية صورة كانت، وذلك لقلّة محبّتك له؟! إن تألّمنا بسبب خطايانا، فسيعطينا الرب نعمة أن نتعمّق في محبّته؛ فتعود لنا من جديد القدرة على محبة القريب. إن قصدنا الحياة مع المسيح من كل قلوبنا، فمهما فعلنا وبعدها عُدنا إليه، سنعود أطهاراً به، وسيعلّمنا كيف نحبه الحب الحقيقي. إخوتي...اخشوا الألم الذي يأتي من محبة العالم...ذاك الألم الذي يجعلنا نغرق في مشاعر الحسد والكبرياء...الغضب والإدانة...نتألّم، ولكننا نؤلم غيرنا...ونظن أننا بذلك نخفّف عن أنفسنا. لا طريق للتخفيف من شدّة آلامنا، مهما كان سببها ومهما كانت آخرتها، إلاّ بمحبة الله التي تعلّمنا محبة القريب. أما الألم في طريق الرب يسوع فلا تخشوه، لأنه طريق للمحبة. عيشوه واعرفوا لِمَ تتألّمون! افحصوا نواياكم...فإن كان للرب، فألمكم مُبارَك. ولا بدّ للمحبة أن ترفعه عنكم. كونوا واثقين بالمحبة وتكمّلوا بها". فسأله يوحنا: "وماذا تظن أيها الأخ الذي أدهشني كلامك، هل عليّ أن أحبّ ذاتي أم أكرهها؟". فأجاب الأخ: "هلمّ نُصلّي، وسنعرف الجواب". وأخذ يُصلّي بصوت عالٍ: "يا يسوع الحبيب...أسألك إلهي: هل أحبّ نفسي أم أكرهها؟!... إني أحبك يا رب وأحب أعمال يديك. أحب أن أغار على اسمك القدّوس وأن يعرفك الجميع معرفة حقيقية. إني أحب أن أعمل أعمالاً صالحة كي أشير بها إليك حتى يعرفك القريب من خلالي...كي يلتقي بك المسافر عن طريقي. أحب أن أكون إنساناً جديداً كي يمجّد الناس اسمك...كي يقولوا عنّي: انظروا كم يحب!...لأنني تلميذك وخادمك أيها السيد... أُباركك من أجل كل ما تهبني إياه من نِعمٍ وبركات ومواهب… بعض أبنائك يرغبون بالتوحّد والانعزال عن العالم محبة بك، كي يتعمّقوا بأسرارك...والبعض الآخر لا بيوت لهم، يتنقّلون من مكان إلى آخر للتبشير باسمك المبارَك...واحد يبكي آثامه ليل نهار، ويعلّم الآخرين ذلك...وآخر يرقص فرحاً بك ليل نهار، ويعلّم الآخرين ذلك أيضاً...منهم من يصلّي ويتنبّأ...ومنهم من يرتّل ويسبّح... كل أعمال المحبة مقبولة لديك...وأنا نفسي مقبول أيضاً، لأنك تحبّني وتعرف ضعفي وألمي، وتعلم بخبايا نفسي...نفسي التي أكرهها لحظة الخطيئة...ولكنك تطهّرها فأعود أحبها، لأنك أنت خلقتها...نفسي التي أمقتها ساعة الإدانة وظلم الآخرين، ولكني أُسارع إليك؛ فأحبها لأنك سامحتها...أكرهها عندما تحسد وتتكبّر وتنتفخ، ولكنني لا أيأس؛ بل آتيك منكسراً باكياً، فأحبّها من جديد لأنك غفرت لها...أكره نفسي حينما أبتعد عنك، وأحبّها لقربها منك... وأما باقي أموري، فكل ما أعمله بمحبة فهو منك ولك...وبك تتكمّل محبتي. آمين". قام الإخوة، وذهب كل واحد منهم لمكانه شاكرين الله، مرنّمين. وفي طريق العودة، مشى يوحنا برفقة الكاهن الشيخ، فقال له: "إن الكلام عن الألم والمحبة لا زال غامضاً عليّ قليلاً. فقال الشيخ: "تكلم. فها أنا أسمعك". قال يوحنا: "كيف لله الذي يحبنا أن يترك أبناءه للمرض والألم؟. لقد كنت أنا الإنسان الخاطئ أحاول بكل الطرق ألاّ يمرض أحد أبنائي. وعندما يتألمون يتقطع قلبي ألماً عليهم لأني أحببتهم. فكيف يتركنا الرب لهذا الألم وهو العطوف الحنون؟". أجابه الشيخ قائلاً: "في البداية لم يكن هناك ألم ولا شدّة. لقد خلقنا الرب من العدم بدافع محبته، وأعطى أبوينا آدم وحواء أن يعيشا بسلام وفرح دون ألم أو مرض. ولكن بعد سقوطهما بالخطيئة، صار جسدنا يقبل المرض والموت. وبعدها ازدادت أمراضنا الجسدية والنفسية والروحية وتأصّلت فينا حتى أن جسدنا الضعيف صار مقرّاً لها. فإن الشهوة كثيراً ما تخدعنا مصوّرةً الخطيئة لنا جميلة وأمراً طبيعيّاً وحقّاً من حقوقنا. وبهذه المبرّرات نندفع وراءها، وننقاد إلى عالم الخطيئة ونغرق فيه. إن الله لا يتركنا أبداً، فإنه يتألم جداً ألم المحبة عندما يرانا نسقط في الخطيئة. ويتألّم عندما يسمح أن يصيبنا مرض أو شدّة، ولكنه لا يكون بعيداً عنّا. فإن صبرنا على التجربة وناديناه: ’يا أبانا المحب. تعال وامكث معنا‘، سيجيب: ’إني معكم دائماً. بل أنتم لا تتركوني وامكثوا معي‘. وبذلك ننتصر على التجربة. أما إن مرضنا، فإن محبته تعطينا تعزية. وإن تألّمنا وارتحنا إليه محاولين التأمّل بصفاته العجيبة وعطاءاته الغير محدودة، وقتها سيصبح الألم لذيذاً، وسنكون أقوياء بالنعمة، لأن قوّته بالضعف تُكمَل. وأخيراً، إما أن يزيل الربُ تلك الأمراض ويشفينا لأننا طلبناه من كل قلوبنا، أو يدع الألم كشوكةٍ في جسدنا تُطهِّر روحنا؛ فنغدو قريبين جداً منه. حتى الذين يموتون بآلامهم، ستكون أوجاعهم بداية لحياة سعيدة مع الله ملؤها السلام والطمأنينة. أما الذين يرفضون محبة الله ويرون بالألم شرّاً أتاهم منه، مع أنهم يعرفون أن لا شرّ يأتي منه، مُدّعين أنه خذلهم وتركهم لألمهم ووحدتهم. هؤلاء علينا بالصلاة لأجلهم، لأن الشر يحاول تشويه محبة الله النقية. ولكننا لا نعرف حدوداً لرحمة الله. فربما يعودون إليه حتى ولو في اللحظة الأخيرة ويقبلونه سبب رحمة وعزاء. الكثير من الأهالي يخافون على أولادهم، ويريدون بأيّة طريقة أن يحموهم من المرض والألم. وهذا جيد جداً. ولكن الأهم، يا بُنيّ، أن يسلّم أولئك الأهل أبناءهم لله دون خوف، لأن من خاف لم يتكمّل بعد في المحبة. بل عليهم أن يكونوا يقظين ويقوموا بواجبهم كاملاً تجاه أحبّائهم...واضعينهم بين يديّ الله المُحبّ...واثقين أن محبّته هي التي تحمي. حتى إذا ما مرضوا أو ماتوا، فدائماً إرادة الله هي إرادة محبة ". عاد يوحنا إلى قصره. وقضى الليل كلّه يُفكّر في أولاده: ’تُرى هل سيعرفون يوماً أنني أحببتهم رغم كل قسوتي عليهم وكل إهمالي لهم؟...وهل يعرفون أني أتألّم الآن كثيراً بسبب محبتي لهم؟. أتألّم شوقاً لهم...ولكن بالأكثر لأنني لم أعلّمهم كيف يحبّونك يا رب!...لم أقرأ معهم يوماً إنجيلك...ولا أخبرتهم عن رحمتك وقدرتك. كنتُ أعمى، لأن أحداً لم يعلّمني. وبذلك أصبح أولادي عمياناً أيضاً. لم يروا فيّ صورة الله...لم يروا فيّ مثالاً للرحمة والمحبة يقتدون به ويسعون لمعرفتك من خلالي. آه يا ربّي...تُرى كيف هم؟...وهل يشتاقون لي؟...هل يفتقدونني كأبٍ أم كسيّد ظالم يفرحون لبُعده؟ إني مسؤول عن كل عبيدي هناك...كيف سيعرفونك؟...ومن سيخبرهم عنك يا إلهي؟ إن الندم يكوي قلبي! لقد كنت غارقاً في العالم...وكانوا بقربي، ولم أحسّ بهم! والآن هم بعيدون عنّي وأتمنّى قربهم!‘. بكى يوحنا كثيراً. وغسل بدموعه قلبه. ثم غرق في نوم عميق. وفي الليل حلم حلماً: رأى كثيراً من الناس يجلسون صفوفاً، وهو يجلس في المقعد الخامس...في مكان جميل يُشبه القصر الكبير. وقد عمّ الهدوء...وكأن الجميع ينتظرون مجيء شخص ما. وبعد قليل أتى الكاهن الشيخ، وأخذ يقرأ في الكتـاب المقـدّس: روح الرب عليّ لأنه مسحني لأُبشّر المساكين…. وفجأة تغيّرت ملامح الكاهن، وأصبح هو السيد نفسه...وجهه مضيء كالشمـس وثيابه لامعة كالنور. نزل من مكانه، وراح يمشي بين الصفوف، مقترباً من الحاضرين واحداً واحداً. وأخذ كلٌّ منهم يسأله أمنية. وبينما يوحنا يترقّب دوره، قال له السيد: "يوحنا، ماذا تريد؟". أجابه: "أبنائي وأهل بيتي". فقال السيد: "لا تخف! تقوَّ الآن وتشدّد! وعندما يحين الوقت، سوف تعود إليهم". ثم ابتسم له وتابع مروره بين الصفوف. وعندها استيقظ يوحنا من النوم وهو يشعر بتعزية كبيرة. فأدرك أنه سيقضي زماناً معيّناً يمتلئ فيه من معرفة السيد. فسبّح الله، مسلّماً له حياته ومنتظراً الوقت المناسب الذي وعده به الرب كي يعود إلى أهل بيته. وعاد للنوم بهدوء وسكينة. |