|
|
الفصل الرابع
|
عاد يوحنا إلى قصره قوياً، بعد أن أراد أن يتركه منهزماً. وأخذ يتأمّل لوحة على أحد الجدران، تحكي عن عجائب الرب وأعمال السيد...’العمي يبصرون...الخرس يتكلّمون...الصمّ يسمعون...العرج والبرص يشفون‘. لقد فهم معناها الآن...إنها طاقة الحب العظيمة التي تشفي وتُجدّد ...تُنمي وتبارك. فسأل نفسه: ’تُرى كيف للحب أن يكون عظيماً، وما هي حدود محبة السيد لنا؟‘. هذان التساؤلان شغلا يوحنا كثيراً. وبدأ يتأمّل في المحبة محاولاً أن يكتشف عمقها، ويقول لنفسه: ’الحب شيء عظيم! لم أعرفه في حياتي السابقة إلاّ بشكل بسيط وضيّق. كنت أخاف أن أحب عبيدي كي لا يستغلّوني...وأخشى أن أحب الناس كي لا يتّهمونني بالحمق والبساطة...ولا أهل بيتي كي لا يرموا بثقلهم كله عليّ. وعوّضت نقصي هذا بحبّي لذاتي. صرت أحب نفسي كثيراً. وكل ما أرغب أسعى لتحقيقه...وكل ما أشتهيه أظنّه صار من حقّي. أُفكّر كثيراً في حقيقة مشاعر الآخرين نحوي...أظنهم كانوا يكرهونني، ولكنهم كانوا يدّعون محبتي من أجل مصالحهم. وعندما تنتهي المصلحة لا يعودون يزورونني. وأحياناً عندما كنت أرفض طلباً لأحدٍ ما، كان ينظر إليّ بعبوس...وأنا أعلم تماماً أنه كان يشتمني في قلبه ويسارع لذمّي أمام الآخرين. حتى أهل بيتي قسوا عليّ: فعندما أكون مريضاً، لا يسرعون لخدمتي والسؤال عن حالي؛ بل كانوا يرسلون العبيد كي يخدمونني. كنت أخاف أن أُصاب بمرض عُضال أو بغيبوبة...وأتصوّر عبيدي يسرقون أموالي وأهل بيتي يرموننـي على حافّة الطريق، قائلين: ’كنتَ قاسياً وعديم الرحمة وأنانياً، وهـذا جزاؤك: الألـم والعوز‘. آه كم عذّبتني تلك الأفكار!...وكم رغبت أن أحبهم دون خوف، وأن يحبونني دون مصلحة!. أموالي كانت سجناً لي...وكنوزي قيّدتني في زنزانة. أمدّ يدي، ولا يمسك بها أحد! ورغم ذلك، ففي داخل الزنزانة يوجد كل ما أتمناه وأشتهيه من أكل وشرب وملذّات. كنت محتاجاً لكلمة طيبة...لتعزية...لتشجيع...للإحساس بأنه يوجد من يريد أن يحدّثني عن سعادته وفرحه في هذه الحياة، ويحب سماع شكواي، وهمومي ومشاكلي...وربما أفراحي! لقد قتلتني الوحدة والغربة في بيتي. هم يشكون لي عن فقرهم من أجل الحصول على المال...وأحياناً كثيرة يكذبون! وأنا أشكو لنفسي عن قسوة الحياة وألمها... والآن بعد أن عرفت السيد، أدركت أن مشكلتي كانت فيّ...في قلبي الذي لم يتعلّم كيف يحب ولا كيف أن يعلّم الآخرين أن يحبونني من أجل ذاتي! ولكن هم لديهم عذرهم: فأنا لم أحبهم أولاً كي يحبونني...لم أكن صادقاً معهم...فكيف يصدقون معي؟! لم أسارع لخدمتهم...فكيف يسارعون لخدمتي؟! لم أرأف لحالهم أو أسهر معهم أو أسمع شكواهم...فكيف يستمعون إلى شكواي؟! ظنوا أني بدون قلب...بل مصدر أموال وفقط! وأنا أيضاً ظننتهم لا قلب لهم...بل مجرّد أجساد تحب المال وتريده لتعيش! كانت غلطتي أني رسمت حولي هالة من القسوة والصرامة والجدّية، وانغلقت على ذاتي أشكو حزني وشقائي في ليلي الطويل...أحاول الترويح عن نفسي في الكسب من ملذّات الدنيا، فذقتها كلها. ولكن الآن، عندما أتذكّرها، أُحسّ بطعمها مرّاً في حلقي...يكويني ألماً...حرارتها تلدغ جسدي وتشوّهه...وقد نخرت عظامي! ذاك الطعام والشراب صارا لي سموماً...وتلك القسوة كالسكاكين تقطّع أوصالي! يا ليتني ما وُلدت غنيّاً...ولا أحببت أن أكون غنياً! إنه حب الامتلاك الذي حوّلني إلى وحش لا يشبع!... أما هنا، فالأمر يختلف: أرى الإخوة كلما أعطوا، أحسوا بالغنى أكثر...وكلما صاموا، ما عادوا يشتهون الطعام أكثر! كل هذا بسبب المحبة...حروف قليلة، ولكن معانيها كبيرة! حقاً إن الحب لعظيم!...لأنه يخرج من القلب ويُسعد كل مَن حولنا. ينبع من الحق ويُغني كل من يحتاج لتعزية...يرأف بالفقير...يشفق على الحزين...يمدّ يده لمن أراد رحمة. الحب كبير...موجود في كل مكان...ليس في الحزن والألم فقط، بل في الفرح والسلام أيضاً. حيث الحب، تتشقّق الصخور لتتفجّر ينابيع مياه عذبة. حيث الحب... تنبت ورود السلام... تشرق الشمس الجميلة... تضيء النجوم الساطعة... يسكن البحر الهائج... تبتسم الشفاه وترنّم القلوب. وعندما توجد المحبة، توجد القوة التي تعطي طاقة هائلة للعمل والنهوض من العجز والألم. اليوم أريد أن أكون جديداً بالمحبة...أريد لعيوني أن ترى ولا تشتهي...ولآذاني أن تسمع ولا تدين...للساني أن ينطق مشجّعاً بدلاً من أن يوبّخ...ليديّ أن تصفّق للمحبة، وتعمل وتعطي...لرجليّ أن تقودني إلى مكان أستطيع فيه أن أخدم...لفكري أن يلتهب بالمحبة...وروحي أن تطير في سمائها. الكون كله يتهلّل بالمحبة. فلتُنقَشْ على الصخور...ولتُكتبْ على القلوب. ولندع أرواحنا تصرخ: إننا نريد الحياة بمحبة. ولكن، ما هي حدود محبتنا؟... إنه لأمر صعب أن ندّعي محبة شخص ما...فكيف عندما نقول أننا نحب الله؟! الحب يتطلّب الكثير. ولكن بصورة أخرى...يتطلّب منّا أن لا ندع لأنفسنا حرية اختيار مَن مِن الناس نحب ومَن لا. الحب يأتي دون سابق إنذار...فيشتعل القلب به. إن محبة الشاب للفتاة...أو الفتاة للشاب...هي صورة مصغّرة وجميلة جـداً عـن المحبة. فمثلاً عندما يلتقي شاب بفتاة صدفة، ومنذ أول لحظة يحسّ أنه يعرفها من زمان بعيد...يحسّ في عينيها سحراً غريباً يدفعه للنظر إليها مليّاً. وكلما نظر أكثر، وبدون كلام، يدرك في قلبه أنه يعرف الآن عنها أكثر وأكثر...يحس بالألم في عينيها أو الفرح في نظرتها...من حركاتها يفهم أسلوبها، ومن ابتسامتها يعرف إن كانت قاسية أو بريئة. وبهذا تصبح كل معالمها مهمة لديه، وكأنه قد كشف جزءً كبيراً من حياتها. وعندما تتعمّق العلاقة، يحس بأن النظرة الأولى كانت إلى درجة كبيرة صحيحة، وأن الانطباع الأول كان يحمل في طيّاته صفات الشخصية الحقيقية. وإذا سئل الشاب ’متى أحبّها‘، يقول: ’من اللحظة الأولى‘. وهذا أكبر دليل على أن المحبة هبة مجانية تُعطى لكل إنسان أينما كان دون شرط أو سابق إنذار. ولكنها تتطلّب أن تكون العيون مهيأة بشكل يسمح للإنسان أن يرى الناس الذين يقابلهم في حياته. والأهم من ذلك أن يكون القلب مفتوحاً لمشاعر من نوع جديد وفريد. إن الحب الفطري يشبه إنساناً قرأ كتاباً وأغلقه...وبعد فترة طويلة، ومن دون أن يفتحه، عرف الكثير مما فيه. هذا حال الإنسان! ولكن الرب، الذي هو العلم المطلق، يعرف الجميع ويقرأ أفكار الجميع، لأنه خالق الجميع...وبصورة خاصة إنه أحب الجميع منذ اللحظة الأولى، من قبل أن يخلقنا...بل أنه خلقنا كي نشاركه محبته‘. ووجد يوحنا مثالاً آخر عن المحبة يكشف بعض صفاتها: فالأم عندما تعرف أنها حاملاً بطفل في أحشائها، تحبه قبل أن تراه...قبل أن تعرف صفاته وما سيكون شأنه أو شكله. تحبه لدرجة أنها تكون بغاية السعادة بأنه يأخذ ممّا لها، ويكبر في داخلها. وعندما يتحرّك في رحمها، تطير فرحاً...فهي تحب أن تشاركه نموّه لحظة بلحظة...تريد أن تعطيه بدون حساب، حتى ولو على حساب راحتها وصحتها. الكثيرون يقولون: الآباء يحبون الأبناء لأنهم يحملون صفاتهم...وهذه صفة الاستمرارية. ولكن يوحنا يعتقد بأن الأم تحب ابنها الذي لم ترَه بعد محبةً تقترب من المحبة الغير مشروطة التي أحبّنا إياها الرب عندما خلقنا وراقب نموّنا لحظة بلحظة، مع أنه يعرف أنه منّا سيخرج الشرير والصالح...المسكين والظالم...البسيط والحكيم. ولكنه وهبنا أن ننمو بمحبته الحقيقية، وأن نكون كما نختار نحن في هذه الحياة. واكتشف يوحنا أيضاً أنه عندما نحب الرب المحبة الكبيرة سنكون كما هو أرادنا، لأنه أحبّنا جداً. وهكذا يكون الابن الصالح. إن الأم أحبّت ابنها دون أن تعلم هل سيولد صحيحاً أم مشوّهاً...جميلاً أم قبيحاً...شريراً أم صالحاً. فإن أعطته الحب الكبير وبطريقة صحيحة، وليس بأنانية، فالابن...حتى لو سار في طريق خاطئة...سيسعى يوماً أن يكون جيداً...لأنه إن لم يحب نفسه، بل كرهها، فإنه سيتقبّلها من أجل أمه التي أحبّته. وهكذا المؤمن إن كره نفسه لشرورها، أو قبلها لحسناتها، فسيكون هدفه دائماً أن يكون صالحاً من أجل الرب الذي أحبّه منذ البداية. |