الفصل الثالث 
 


بدأ الأخ، الجديد بالروح، يوحنا، يعاني من تجارب شديدة لم يستطع احتمالها. أصيب بأمراض كثيرة، فأُنهك جسداً وروحاً، وصار يخاف الموت والألم والوحدة. ولم يعد يثق بأحد من الإخوة ولا أن يميّز صوت الرب في داخله. فظن أن أمنيته الرائعة، الالتقاء بالسيد والعشاء معه، وهمٌ وخيال. أصبح متردّداً...يحسّ بالضعف والضيق...يتمنّى أن يعود لعالمه ولا يستطيع. ويتمنّى البقاء ولا يقدر أيضاً. وفي الليل يغدو فريسة الأحلام والكوابيس. وكل الأمور التي ركدت في نفسه عادت لتظهر من جديد وتقضّ مضجعه. فها هو يشتم...ويَدين الآخرين بسهولة. فقسي قلبه، وبدأت عيناه تشتهي، وأذناه ترتاح لوسوسات الشرّير.
وهكذا انقطع يوحنا عن الاجتماع بالإخوة، وتوقّف عن قراءة الكتاب المقدّس والتأمّل فيه. وأراد أن يترك المكان ويعود إلى وطنه وأمواله وأصدقائه، قائلاً لنفسه: ’هم مثلي، وسيقبلونني كما أنا. أما هنا، فعليّ أن أحارب نفسي ليل نهار كي لا أُخطئ...عليّ أن أتقدّم كل يوم في طريق الفضيلة الصعب...وأن أكون رحيماً، وأنا قاسي الطبع...وأن أغفر، وأنا لم أتعوّد على التسامح...أن أعيش الفقر والألم والحزن، وأنا دائم الشكوى. كيف أُسبّح ولا أشتم؟...كيف أبارك ولا ألعن؟. يريدون مني أن أكون قدّيساً، وأنا إنسان ضعيف عشتُ طوال عمري أظن أن قوّتي في أموالي وكثرة عبيدي. والآن يخبرونني أن القوة تكمن في المحبة. ما هذه المحبة التي لا أفهمها؟!...لقد تذوّقتها للحظات معدودة، ولكني ما زلت لا أفهمها. كيف للسيد أن يحبّنا لهذه الدرجة ونحن خطاة؟...كيف له أن يدعوني، وقد امتلأتُ شروراً وآثاماً؟...كيف يعدني بالعشاء معه وأنا لا أستحق أن أنظر إليـه؟. سأعود إلى دنياي...ربما أشفى من هذه الآلام التي أصابت جسدي وروحي‘.
ثم قام وترك كل شيء، وأراد أن يغادر. كان يبكي، ولكنه أصرّ على الرحيل. نظر إلى كل ما حوله، وقال: ’ربما تكون هذه غلطة عمري أن أترك هذا المكان...وربما أندم يوماً ندماً شديداً حيث لن ينفع الندم. ولكن لا بدّ أن الرب هو هناك أيضاً في عالمي. أليس هو موجود في كل مكان وزمان؟ ربما أستطيع أن أُرضيه هناك، بعد أن فشلت هنا‘.
وعندما وصل إلى الباب، أراد أن يطأ بقدمه إلى الخارج، إلاّ أنه لم يستطع. حاول مرة ثانية...وثالثة...وما استطاع. وكأن أحداً ما كان واقفاً في الباب يمنعه من الخروج. فصرخ بصوتٍ عالٍ: "أيها السيد. لِم لا تدعني أخرج؟ أعرف انك هنا وتسمعني". وفجأة سمع صوتاً: "يوحنا...يوحنا...يوحنا. لقد أحببتك، فلمَ ترفض محبتي؟! "…أجاب يوحنا: "لأنك تركتني، أيها السيد، وحدي أتألم". قال السيد: "إني ما تركتك يوماً، بل قد أخليت ذاتي من مجدي وأتيت إليك ...أنظر وراءك. ماذا ترى؟ إنها آثار أقدامي ترافقك. لقد سمعت كل كلامك...عرفت كل أفكارك...فحصت كل نواياك...كشفت كل أسرار قلبك. أحسّ بألمك...وأعرف بما تشعر حينما ترتجف خوفاً...أشعر بحرارة دموعك تكوي وجنتيك...أرى كيف تعصر يديك...ورجليك كيف تشنّجتا...وفكّك تصلّب ويمنعك من الشكوى. ولكني لا أتركك أبداً، لأني أنا عمّانوئيل...معك دائماً. وأنا دعوتك يوحنا، أي أن محبتي قد تحنّنت عليك. هلمّ تعال معي! أنا أريحك".
تذكّر يوحنا ذلك الحلم عندما قال السيد للفلاّحين: ’تعالوا إليّ يا جميع المُثقَلين وأنا أريحكم‘، وكيف غمرهم الفرح وركضوا إليه. تذكّر كلامه عن الكنز الجديد...وتعزيته له. تذكّر محبة الإخوة وصبرهم وتعبهم معه طوال تلك السنين.
وعندها قال له السيد: "أتريد الذهاب الآن؟ إن شئت، تستطيع".
بكى يوحنا بكاءً مُرّاً...وغمرت دموعه وجهه. وتمنّى أن يلمس السيد كما يلمـس
الإبن أباه...وأن يكون قريباً جداً منه فلا يعود يحسّ بآلامه...وأراد أن يتّحد به فيستمدّ منه القوة.
قال له السيد: "قريباً ستكون معي على مائدتي للعشاء. أنا هو الراعي الصالح الذي يترك التسعة والتسعين خروفاً وينشد الضالّ كي يعيده إلى الحظيرة. خرافي تعرفني...وأنت عرفتني إذ ميّزتَ صوتي.
أنا هو الذي يقف على الباب طوال الوقت يقرع...شتاءً وصيفاً...حرّاً وبرداً...في الفرح والحزن...في الضيق والفرَج...كي تفتح لي وأُقيم عندك.
أنا الذي وُلدتُ في مذود فقير...في مغارة باردة...كي أُدفئ قلبك. عشت فقيراً، كي أُغنيك...رُذلتُ من الجميع، كي يقبلك الآب السماوي في ملكوته. اختبرتُ كل ما عانيتَه أنت من ضيق وألم، كي أنتشلك ممّا يحرمك الفرح الحقيقي. الفرح الذي أعطيه أنا لا يستطيع العالم أن يعطيه. السلام هو منّي وفيّ.
أنا هو الحياة، فلا تيأس وتتركني! جئت لأدعو خطاة وليس أبراراً، وأقبلك كما أنت...أحببتك دون شروط، فلا تخف من آثامك ولا تيأس منها! سوف تعلّمك محبّتي كيف تنتصر...ورحمتي ستُشعل الفتيلة المدخّنة. أما تعزيتي فستُجبر كسرك وتقوّي ضعفك. ثقْ بي ولا تنظر إلى حياتك السابقة، فهي مليئة بالآثام. انظر لحياتك معي، إنها مليئة بالتعزية. ها أني أهبك المحبة، فاقبلها ولا تيأس. قم انهض! تشجّعْ...وعُد معي!".
غمر قلب يوحنا فرح كبير، وهربت الأفكار الشريرة من رأسه كما يهرب اللص
عندما يحضر راعي الخراف. وشكر الرب، لأنه لم يدعه لآلامه يحتار بها. وفي
طريق العودة، نظر إلى الوراء ولم يرى آثار أقدام السيد ترافقه. فصرخ: "لا تتركني أيها السيد وحيداً". فأجاب الرب: "ما تراه هي خطواتي أنا. إني أحملك الآن كالخروف الصغير على منكبيّ، فافرح وتهلّل".
فسبّح يوحنا الله، قائلاً: "شكراً لله الذي يقودنا في موكب نصرته في كل حين. مهما ضللنا وتهنا في طرق بعيدة ومقفرة، يقودنا الرب إلى طريق كله حب وسلام...لا يدع الشرير يهزمنا، ولا الخطيئة تُهلكنا، لأننا قد وضعنا فيه ثقتنا".
أدرك يوحنا بعد هذه التجربة أن الخطيئة كشبكة صيّاد ماهر تجذبنا إليها بهدوء...قليلاً قليلاً...ودون أن نشعر نصبح أسراها...فتنغلق علينا محاولة أن تصرعنا. وأحياناً تُقنعنا أنها أمر طبيعي، ومن حقّنا التصرّف هكذا. نتيجة ضعفنا البشري نقع في هذه الأزمة أو تلك. وعلينا تقبّل الأمر ولا ننزعج منه. تحاول دائماً إسكات صوت ضميرنا الذي هو صوت الله فينا، فتحرمنا من سكينة النفس فنتشوّش بأفكار متضاربة، ويصبح من الصعب علينا تمييز الخطأ من الصواب...ولا صوتَ الله في داخلنا.
وقد أيقن أنه عندما نصلّي ونطلب العون، يستجيب الرب بسرعة...وعندما نصرخ إليه، يأتي لنصرتنا...بل إنه دائماً قريب منّا. ولكننا أحياناً لا نراه بسبب ظلمة الخطيئة التي تحاول أن تُخيّم على أرواحنا. وبما أن الله هو النور الذي لا تغلبه الظلمة، فحضوره يُبدّد الظلام ويسكّن النفس ويريح القلب.
إن وجود الرب فينا يعني أن تصمت كل وسوسات الشر وهمسات الخطيئة، فينفتح القلب للتسبيح والترنّم لأسمه القدوس. فحيث يُقيم، يوجد الصمت المقدس الذي يغنينا بالمعرفة، فنكتشف من أسرار المحبة الإلهية الشيء الكثير.
أما يوحنا، فقد عرف أن الحرب ضد الشر قد بدأت، لأنه اختار الله الحي. ومـن
الطبيعي أن تغضب قوى الظلمة محاولة ثنيه عن عزمه، موقعة إياه بالخطيئة التي لا غفران لها: التجديف على الروح القدس...وذلك باليأس من رحمة الله ومن قدرته على إنقاذنا. هكذا يتسرّب اليأس إلى قلب الإنسان، فيقوده إلى إنهاء حياته بنفسه، ظانّاً أن الله لا يريد افتقادنا ولا مسامحتنا أو انتشالنا من مستنقع الخطيئة. فلا يجدون إلاّ الموت سبيلاً للخلاص من هذه الحياة الشقية. وهكذا يحكمون على أنفسهم بالشقاء هنا، وفي الحياة الأبدية أيضاً.
إن الرب قريب، فلما لا نناديه؟...لِم لا يصرخ الإنسان: ’إلهي، مَليكي. أين أنت؟ تعال أيها الرب يسوع تعال‘؟. وعندها يجد اليائس سبيلاً للأمل...الموجوع دواءً...الجريح طبيباً...المتألّم تعزية...الحزين فرحاً...المشرّد مأوى...الجياع خبزاً...والعِطاش ماءً حيّاً.
 

عودة        الرئيسية