|
|
الفصل الثاني
|
بدأ الثري سابقاً بقراءة الكتاب المقدس. وكان الشيخ أو أحد الإخوة يجيبه على تساؤلاته. لقد اكتشف أموراً كثيرة...وحلّق في محبة الله للعالم...حيث خلقه من العدم...وفي محبته للإنسان حتى منحه كل هذه الصفات الرائعة وميّزه عن سائر المخلوقات. كم كانت رحمته كبيرة عندما وعد آدم، رغم سقوطه بالخطيئة، بمجيء المخلّص؛ حيث قال لحواء: "من نسلك سيأتي مَن سيسحق رأس الحية التي أغرتك بالخطيئة". هكذا قضى أياماً كثيرة يتأمّل. ولكن أفكاراً كثيرة شوّشت عقله...فبدأ سلامه يتراجع، وتساءل: ’كيف يستطيع قايين أن يقتل هابيل؟...وكيف يقدر ذلك الشعب، الذي برهن لهم الرب عن وجوده بعجائب قاطعة، أن يعود ليزني عليه ويعبد الأوثان؟...كيف تحصل التفرقة في بيت واحد...بيت مبني على وعود الله...فيبيع الإخوة أخاهم الصغير ويحرمون والده الشيخ منه وهم يعرفون كم أحبّ ابنه الصغير؟...بل حتى الأنبياء يرتكبون أحياناً أخطاء فاحشة يوبّخهم عليها الرب!...‘. هكذا قضى ليلته حزيناً يفكّر. وأخيراً صرخ بصوت عالٍ: "أيها السيد. إن كنت تسمعني الآن، أجبني...فقد ضاقت فيّ روحي". فإذا بصوت يأتيه: "طوبى لمن يعلّمه الحقّ بذاته...أنا سأخبرك...تعالَ معي!". وفجأة وجد نفسه في زمان بعيد وفي دنيا غريبة. كان يطير ويرى شعوباً وأقواماً...بعضهم يسجد للأصنام...والبعض الآخر يقيمون مذابح لله. بعضهم يموت جوعاً...وآخرون يتنعّمون ويسكرون. هنا عبيد وجواري...وهناك أسياد وأرباب. هنا أمراض ومجاعات...زنى وفسق...وهناك قوم يكسرون خبزاً ويأكلون معاً، ويشكـرون الرب. وبـدون أن يكلّمه أحد، عرف أن الإنسان حرّ. قال لنفسه: ’انظري يا عيني واسمعي يا أذني. هؤلاء أرادوا أن يعيشوا مع الله، فاختاروه...وأولئك أرادوا العيش لأنفسهم، فرفضوه. هنا قوم ضعفاء، جاءهم من يقوّيهم...وهؤلاء أقوياء، جاءت الخطيئة فأضعفتهم. البسيط يقبل البُشرى...والحكيم يدوس عليها. الجاهل صار غنيّاً بالمعرفة...وأصحاب العلوم أصبحوا عمياناً بالكبرياء. أطفال يتعلّمون كيف ينطقون باسم الرب...وآخرون يتعلّمون خزن الأموال وإكثارها. نساء يباركن...وأُخريات يُشعلن الغيرة والشهوة في النفوس. الجميع انقسموا إلى فئتين. والغريب في الأمر أنه من نفس البيت يخرج الجاهل والحكيم...المذنب والبريء...المتواضع والمتعجرف! فكيف يكون ذلك؟!...آه، لقد عرفت السبب: إن حرّيتنا صارت لنا اختباراً...إما أحرار بالرب ونعمته، أو أحرار بالأنانية والشهوة‘. ولم يحسّ بنفسه إلاّ وهو على فراشه يبكي السنين الماضية. كانت حريته سبب انخداعه بذلك العالم. كان يظن أنه الحاكم والسيد وصاحب الفضل والمدبّر، وأنه المسؤول عن كل مَن تحت يديه؛ وكأن حياتهم في قبضته. فبكى بكاءً مرّاً. وقضى أياماً، وشهوراً يبكي آثامه. ولم يحسّ بالتعزية من أحد. لقد عرف معنى الوحدة. كل شيء صار يعذّبه...الذكرى والحنين ومشاعر الندم. وفي صباح يوم، خرج يتمشّى. رأى الثمار على الأشجار ولم يكن قد حان موعد نضوجها. اشتهى أن يأكل منها، ولكن طعمها ما زال مُراً. والتقى ذاك الشيخ الجليل، الذي قال له: "هكذا أنت يا بُني...لم تقطف ثمرة حياتك هنا...لم يحن موعدها بعد. اصبر، وستصبح حلوة لذيذة. إنه الوقت، فاقضيه بالتأمل بعجائب الله. وكل ضيقك سيتحوّل إلى سلام". أراحه كلام الشيخ. وأخذ يقضي معظم أوقاته في أحضان الطبيعة...يُسبّح الخالق...ويرى عظمة وجمال ما أبدعه الله. يتأمل في الجبال وصمودها، فيرنّم: رفعت عينيّ إلى الجبال من حيث يأتي عوني...معونتي من عند الرب خالق السماء والأرض. ثم يرى الطيور، فيقول: العصفور وجد في هيكلك مأوى، واليمامة عشّاً لها. وهكذا مرّت شهور وهو يردّد المزامير. وكانت روحه تستريح في كلماتها التي تبعث في النفس التعزية وتملأ القلب بالرجاء. ومرة قرأ في مزمور الآية التالية: "الرحمة والحق التقيا. البِرّ والسلام تلاثما. الحق من الأرض ينبت، والبِر من السماء يطّلع". ولم يفهم معنى ذلك. فسأل أحدَ الإخوة، فقال له: "لقد أشرق نور الحق على الأرض، وحان الوقت...بل قد حلّ ملء الزمان عندما افتقد الله شعبه. لقد حان وقت إتمام المواعيد وكسر شوكة الموت وتحريرنا من قبضة الشيطان...حان الوقت كي يتجسّد الله...ويعمّ الفرح السماء والأرض". فاندهش لما سمع: "ماذا؟ الله العظيم...الجبّار...رب الجنود...وخالق الأكوان يتجسّد...أي يصبح بشراً؟! إنه لأمر عجيب...كيف هذا؟!". فأخبره عن نبوءة إشعياء النبي القائلة: "لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويُدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبديّاً رئيس السلام" ، و "ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل" . قال: "لقد قرأتها ولم أفهمها". فحدّثه عن الله الذي لرحمته الغنية لم يرضَ أن يبقى الإنسان في منفاه بعيداً عنه. وبما أن الخطيئة كانت عظيمة، لأنها وُجّهت لله مباشرة، أراد أن يكون ابنه هو الحمل الذي ينزع عارها عنّا ويعيدنا إلى الآب، مُقدِّساً إيّانا بروحه القدّوس. لقد صعب عليه فهم كل هذا الكلام، فبدأ بتفسير الرموز له واحداً فواحداً: "إن الله الآب أرسل ابنه الوحيد للعالم، وأخذ جسداً كجسدنا من عذراء اسمها مريم. وها هو الملاك جبرائيل يحمل لها البشرى قائلاً: السلام لك يا ممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة أنت في النساء…ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلي يُدعى...الروح القدس يحلّ عليك وقوة العلي تظلّلك، فلذلك أيضاً القدّوس المولود منك يُدعى ابن الله ". أحسّ الرجل بفرح عظيم، وقال: "لا أصدّق ما سمعت! إنه أعظم من أن أستطيع احتماله. هل نستحق نحن، مع كل خطايانا وزيفنا...ونكراننا وعصياننا، أن يأتي الله لعندنا حاملاً جسداً ضعيفاً كجسدنا ليُقدّسنا من جديد...يباركنا ويطهّرنا؟! إنها الفرحة التي لا يسعها قلبي، بل ولا يسعها العالم. حقاً ما أجمل ما رنّمته الملائكة ’المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة‘. وبدأ يقرأ العهد الجديد، ونور الرب يفتح له عينيه وقلبه ليكتشف معانٍ جديدة. كان غذاؤه كلمة الرب. فأخذ ينمو بالروح ويتقوّى. ذات صباح سأل الشيخ: "أيها الشيخ الجليل. لماذا لا تُلبسونني ثياباً بيضاء مثلكم، ولا تدعونني أخاً؛ بل دائماً باسم ’الغريب‘؟ أتراكم لم تحبّونني؟ أتراني لا أستحق أن أعيش معكم؟ لقد أحببتكم أنا، وأحببت المكوث معكم. والأهم أني أحببت البقاء في حمى السيد. الآن قد عرفته: إنه كلمة الله المتجسّد...وينبوع المحبة الذي لا ينضب. إنه الراعي الذي يحملني على منكبيه...والطريق الذي أصل به إلى الحياة الأبدية. إنه الحق الذي يحرّرني...والحياة التي بها نحيا إلى الأبد". فرح الشيخ جداً بما سمع، وقال: "تعال معي! لقد حان الوقت لكي تعتمـد باسـم الرب يسوع المسيح". وذهبا مع الإخوة إلى نبع ماء صافٍ. قال له الشيخ: "أتريد أن تولد من فوق بالروح وتتطهّر من الخطيئة التي ورثتها عن أبويك فتصبح ابناً لله وأخاً للمسيح ووارثاً معه وهيكلاً للروح القدس؟". أجاب: "نعم. تشتاق نفسي لله كما يشتاق الأيّل إلى مجاري المياه". ونزل إلى الماء، ونال سر المعمودية المقدّسة على يد الكاهن الشيخ. وعندها، سمع الجميع صوتاً يقول: "من آمن واعتمد باسمي له الحياة الأبدية. افرح الآن يا ’يوحنّـــا‘! إني أدعوك منذ الآن بهذا الاسم". ومن تلك اللحظة، صار الكل ينادونه يوحنا. ولبس ثوباً أبيض مثلهم، فلقد صار إنساناً جديداً. لكن الشرّير هاج عليه! ’كيف ينضم هذا الإنسان الثري الغارق في ملذّات الدنيا إلى جماعة الإخوة ويصبح في حمى السيد؟ كيف، رغم أنه لا يملك الآن من أموال العالم شيئاً، إلاّ أنه يحسّ بغنى الروح فيدوس على كل مغرياتي؟! سأصرعه بتجارب قوية وصعبة الاحتمال كي لا يجرؤ على تركي مرة ثانية...أنا رئيس هذا العالم‘. |