الخاتمة

  لنتأمّل في الريح التي تنقل حبّات الطلع من مكان إلى آخر، فتتنوّع الزهور في المكان الواحد...وكيف تدفع الريح الغيوم أمامها، فتروي الأراضي العطشى، ونتمتّع نحن بمنظر الزهور الجميلة ونشمّ روائحها العطرة. لنفكّر كم كانت عناية الرب كبيرة حتى هيّأت جميع الظروف المناسبة كي تنمو الحياة على هذه الأرض.

إنه عمل الروح القدس...يُهيّئ الظروف التي تعمل دائماً من أجل مُحبّي الخير...وينقل البشارة عن طريق أشخاص ارتضوا أن يُكرّسوا حياتهم لخدمة الكلمة. فنراهم يتنقّلون في العالم بقوة الروح القدس...كحبّات الطلع التي تنتشر في كل الأوطان والأراضي...ولا تُميّز...ما لون البشر هنا...أو ما جنسهم هناك...ما عاداتهم وتقاليدهم هنا...أو ماذا يصنعون هناك...بل تذهب إلى كل الجبال والسهول والأودية. حتى الأراضي الجرداء التي ترك أهلها الربَّ منذ زمن...نراها تعود إلى هناك لتنبت الكلمة من جديد...كالزهور وسط العراء...لتُخبر عن مجد الرب وعطائه وكرم جوده. ولا تزال الظروف تتهيّأ في مكان ما...لتنمو البشارة. ولكن للأسف، نراها تخمد في مكان آخر كانت قد نمت وترعرعت فيه سابقاً...ولكن أصحاب المكان اختاروا، بكامل حرّيتهم، العودة إلى الوثنية وطقوسها وأساليبها...وابتعدوا عن الله القدير...إذ ظنّوا أنهم، لكثرة أموالهم، لم يعدْ لوجود الرب ضرورة في حياتهم.

ولكن نعمة الروح القدس ما تزال تعمل في كل مكـان...ورغـم كـل الظروف

الصعبة. وسيأتي يوم ويُبشَّرون به من جديد. وإن لم يكونوا بعـد أحياء، فلربمـا أولادهم يقبلون الكلمة...فتنتعش الأرض مرة أُخرى. لأن الروح القدس يرفّ على وجه المياه...ويُحرّكها بهدوء...لتصبّ في بحر المحبة الذي لا نهاية له.

كل إنسان أحب المسيح هو مُبشّر باسمه...إذ لا يمكن للمُحب أن يصمت فلا يُخبر بصفات حبيبه...ولا يستطيع أن يُغمض عينيه فلا يرى جماله...ولا يقدر على الجلوس عندما يُناديه حبيبه. وكم من المبشّرين العظماء نراهم يعملون في الخفية...يعيشون حياة القداسة!. إنهم بيننا. بعضهم أُمّهات صبورات مُخلصات...قضين العمر في التأمّل بآلام الرب...فيُخبرن عنها بتواضع عجيب. وبعضهم آباء كرّسوا عمل أياديهم وتعبهم الدائم لتربية شباب المسيح الأُمناء وفتياته العفيفات. بعضهم أخوة وأخوات ربّوا وتعبوا...وحملوا جزءً من التعب عن كاهل والديهم حُبّاً بالرب يسوع. وبعضهم أصدقاء حملوا ألم الصديق... وزرعوا فيه الأمل؛ إذ قادوه في طريق المسيح.

كم من الناس ينقلون البُشرى في العمل...في الطريق...في السفر...في الحفلات...أينما حلّوا!. لأن أعمالهم تعكس إيمانهم...وبها يُخبرون عن مُخلّصهم.

كم من مُعلّمين غرسوا روح الإيمان في قلوب طلاّبهم برعاية واحترام للمُعلّم الأكبر...وتركوه يتكلّم من خلالهم؛ فربّوا أجيالاً كثيرة خرجت منها منارات عظيمة!.

كم من الفقراء يكسرون خبزهم المُبلّل بعرقهم...شاكرين الرب على عطائه وجوده...فعكسوا نور المسيح بأمانتهم!.

أما هؤلاء الذين تركوا كل شيء وركضوا وراء الكلمة...ينهبون الأرض نهباً كي يوصلوها لكل قلب قد جفّ...وعين اشتاقت لرؤية الضياء... هؤلاء لا حاجة لهم لعُكّاز في الطريق، لأن الرب هو عكّازهم...ولا لزاد، لأن المسيح هو طعامهم...ولا لسيف، لأن الحق هو سيفهم.

هم يُخبرون عن المحبة التي تطير من قلب لآخر...فتودع الفرح في القلوب الحزينة التي نادت يسوع، ترجوه أن يأتي إليها سريعاً.

هم يحملون بين أياديهم الأقماط التي قمّطت بها العذراءُ الطفلَ الإلهي...ليُخبروا الجميع: ’اليوم سيولد في قلوبكم الطفل يسوع...لقد أحضرنا لكم الأقماط كي نلفّه...فهلمّ ساعدونا لنُدفئ من يُدفئ الكون بكامله‘.

هم يُحضرون لنا، نحن العطاش، ماء الحياة...ويُقدّمونه بالمجّان لكل عطشان أراد أن يشرب من الماء الصافي النابع من نبع لا ينضب.

فما علينا الآن، إخوتي، إلا النظر مليّاً حولنا...لنرى اليوم...ضوءً آخر...يأتينا من بعيد...يُنادينا أن نعود إليه.

لندع قلبنا الآن يخفق...خفقة قلب عاشق لأول مرة...ليستقبل ملك الجنود ورب الأرباب.

لندع عيوننا ترى جماله...وأيادينا تلمس شفافيّته...وآذاننا تسمع أعذب الكلام.
الآن لنقُلْ للمسيح الحيّ في داخلنا...والذي فدانا...وخلّصنا...ومات من أجلنا: "لقد مُتّ من أجلي...وها أنا أُقدّم لك اليوم حياتي...عربون محبة...هديّة إخلاص...وردة عفاف...زنبقة طهارة...سيف حقّ.

لمجد فرح بشارتك...لمجد ميلادك...لمجد جمال أعمالك...لمجد عِظم رحمتك...لمجد طول أناتك...لمجد آلامك...لمجد قيامتك. اُقدّم لك، يا رب، حياتي لمجدك...لمجد من أحبّني

عودة        الرئيسية