|
|
الفصل الخامس عشر
|
مرّت بضعة أشهر على رحيل ابنه...وبدأ الألم يظهر في رجفة صوته وفي عيونه. فأتى إليه الأخوة...وقال أحدهم: "إن الرب يسمح دائماً بآلام مبرحة نعانيها في حياتنا...كي نتدرّب على حياة التقوى...ونقترب منه أكثر...منتصرين على ضعفنا، وراضين بإرادته المقدّسة. وما يُحيّرني أنه بعد أن اخترته أنت، وسلّمته حياتك، وقضيت سنيناً طويلة في التأمّل بعجائبه، يسمح الآن بأن تُحرم من ابنك الذي تركك ليحيا حياته الخاصة...بعيداً عن الرب وعنك!. أين هو فرحك وتهليلك؟". صمت يوحنا...وتذكّر الأخوة هناك، في القصر الكبير، كم حدّثوه عن الألم الذي يرافق سيرنا وراء المصلوب. وتذكّر ذلك الحلم المزعج عندما هدّده رجل الظلمة بأن أُسرته في قبضته...ثم نظر إلى ابنته كم هي قويّة بالرب؛ وقد سلّمت حياتها له بكل تواضع وصبر. أما ابنه...فأين هو؟...لا يدري. تأتيه أخبار عنه في كل يوم. واحد يقول أنه هناك غارق في السهر وشرب الخمر...وآخر بأنه صار محتاجاً يتسوّل في الطرقات، بعد أن سلبه أصدقاؤه كل أمواله وتركوه وحيداً...وها هو الآن مريضاً وليس من يرعاه. وفي كل مرة يسمع يوحنا هذه الأخبار، تكوي المرارة قلبه وقلب الأم على ابنهما المسكين...الذي أضاع طريقه...وصار ميتاً بالروح. والآن أراد يوحنا أن يُشرك الأخوة بمشاعره...فقال: "إن ألمي هو ربح لي...أقترب به من المصلوب أكثر، فأسمع طرق المسامير في يديه ورِجليه...وأُدرك أنه يُصلب ويتألّم أيضاً من أجل ابني. زوجتي تتألّم معي...وابنتي كذلك. وأيضاً أنتم تشاركونني. ولكن ما يُعزّيني أن المسيح لم يتركني وحيداً في زنزانة الظلمة والحزن على ولدي...بل أتى هو إليّ ليُشاركني آلامي. إن الرب أبٌ حنون يعرف كم هو صعب أن نفقد أولادنا وهم في مُقتبل العمر...وكم هو العالم خطرٌ في الخارج. ’فمن اغتصاب المساكين...ومن صرخة البائسين...الآن أقوم، يقول الرب‘ . وها نحن نصرخ إليه ألاّ يترك ابننا يموت في الخطيئة...بل يرحمه برحمته التي لا حدود لها، والتي وضعنا عليها كل ثقتنا. لقد قضيت سنيناً طويلة مُتأمّلاً في جراحات الرب وغنى محبّته...كيف أنقذني ودعاني...ورحمني...واستقبلني كابنٍ حبيب. وها أنا أُصلّي من أجل كل من ضاع وفقد الطريق...كي يفتقده الرب أيضاً، ويُعيده إلى حضنه سالماً. يا ليت ولدي يعرف أني سأقبله رغم كل تشوّهاته من جرّاء الخطيئة!. وسوف نطلب من إله الرحمة أن يشفي جراحاته...ويُداوي تشوّهاته. ولكنه لا يؤمن بوجود أبٍ سماوي طويل الأناة، ومُحبّ للبشر...وبأبٍ أرضي خاطئ، يطلب عفو الرب دائماً عن خطاياه، ويرجوه أن ينساها ولا يعود يذكرها له. إن ابني هو خاطئ...ومُهمَل...ووحيد...وفقير بالروح. وفوق هذا لا يعرف الثقة بالرب، ولم يكتشف بعد وجود الله القوي...من هو أكبر من الجميع...ويرحم الجميع. إننا نتمسّك بالرجاء...لأن إيماننا مبنيّ على صخرة الحياة...الرب يسوع. ورجاؤنا فيه قوي وثابت...ومُستمدّ من محبّته العظيمة لكل الخُطاة. هو لا يزال ينادي كل البعيدين عنه...كذلك ابني...كي يأتي إليه...مُزحزحاً الحجر عن باب قلبه. ربما ابني يُعاقبني لبُعدي عنه فترة طويلة. ولكن لو لم أُلبّي الدعوة، لما زلت ظالماً. وسيأتي يوم تُكشف له كل الأوراق...فيعرف حقيقة محبة الرب لنا وعُمقها. كم هو قاسٍ على الأهل عندما يترك أحـد الأولاد البيـت...راكضاً وراء حُرّيتـه الزائفة التي يظنّها بالسهر والشرب والمُخدّرات!...وكم هو مؤلم أن ترى الأم ابنتها القاصر وقد أدارت ظهرها لكل نصيحة، وأصغت فقط لرفيقات السوء!...وكم هو مُحزن أن يرى الأب ابنه مُتخاذلاً...مُتوانياً...مُتكاسلاً...بدل أن يكون قويّاً...صبوراً...مُخلصاً...مقداماً في طريق الرب!. ورغم الألم، لابدّ أن تكون ثقة الأهل بالرب إلى أبعد الحدود...لأن رحمته ومحبته هي غير متناهية أيضاً. فلو أحسّ الأولاد أن سلطة الأهل عليهم هي بدافع محبّتهم لهم، واحترامهم لحياتهم كي لا تفسد وتضيع...بدافع أملهم أن يكون لهم كنز لا يُنتزع منهم...وحياة أُخرى جديدة بالرب...ووجود أعمق وأثمن...وأحلى وأطيب...ربما لما تركوا البيت...وربما عادوا وكفّوا عن البحث عن أسباب السعادة خارجه. ولا بدّ أن يستجيب الرب لحرقة دموعنا وطلبنا الرحمة. فإن كنّا نحن البشر لا نردّ من يسألنا خبزاً أو ماءً...فكيف الآب السماوي إن سألناه رحمة لابن فقد الطريق!. فلنضع بين يديه كل أمور حياتنا. إنها ليست بيد إنسان ظالم...ولا بيد قدر غاشم...بل بيد المسيح، الوديع والمتواضع القلب. ولكني لم أنسَ أن أُسبّح الرب...رغم الألم...وأطلب منه تعزية، وفرحاً يملأ قلبي وقلوب أحبّائي. وكثيراً ما سبّح المتألّمون الله بكلمات حزينة...طالبين أن يُسرع الرب لإنقاذهم ولا يتركهم في يد الشرّير. لقد وضعوا على المسيح رجاءهم، وسلّموه زمام الأمور. ولو قرأنا المزامير، لرأينا كم صرخ الحزانى والباكون إلى الله...طالبين أن يُسرع لنصرتهم...فينسى خطاياهم وينتشلهم، مُعيداً إياهم إلى حظيرة خرافه". وفي تلك الليلة، رأى يوحنا ابنه في حلم وحيداً متألّماً. وعندما اقترب منه بلهفة، حاول الولد إخفاء دموعه...وأدار وجهه، مُطالباً والده بالرحيل. ثم لاحظ أن ظهر ابنه مُنحنٍ كشيخ طاعن في السنّ. اقترب منه...وحضنه، رغماً عنه. لكن الولد أحسّ بألم كبير في ظهره. فشاهد يوحنا كتلتين تشدّان عضلاته؛ فتحنيه. الأولى لا تزال مكسوّة بخيوط بيضاء. أما الثانية، فهي حمراء...وفي داخلها حشرات سوداء كالنمل...تتحرّك بسرعة، تريد تمزيق الغشاء لتخرج. وعندها استيقظ يوحنا مرعوباً. ثم بدأ يُصلّي بحرقة ودموع، طالباً العون من السيد كي لا يترك الخطيئة تحني ظهر ابنه وتجرّه إلى الهاوية...طالباً أن يُشرق بنوره على ليل ولده الطويل...مُنادياً إيّاه من عالم الألم، والحيرة، والوحدة القاسية. وناجى الرب: "ألا يا سيّدي...لا تتركني لهذا الألم وحيداً!. كنت دائماً معي...تشدّ على يدي. والآن إني أحتاجك كي تُرشدني إلى مكان ابني. هو يتألّم هناك...ولا مُعزٍّ له. دعني أذهب إليه...أُخبره عن محبّتك له. افتحْ له نافذة، يا يسوع الفادي...كي يرى مجد قيامتك فيقوم من ذلّه ومرارته. أرجوك ألاّ تدع الخطيئة تقسم ظهره فتُرديه قتيلاً". وعندها سمع يوحنا السيّدَ يقول له: "يوحنا...قمْ الآن واذهب!...إن ابنك ينتظرك". أسرع يوحنا لإخبار زوجته وابنته بما سمع. ثم ذهب مُسرعاً ليسأل رفاق ابنه... واحداً واحداً...عن مكانه. مُترجّياً، بدموع، أن يدلّوه على طريقه. فقال أحدهم له: "لمَ تريد أن ترى ابنك؟...كي تُعيده إلى حياة الفضيلة والتسامح؟. لقد كنتَ أباً قاسياً...طموحاً...تعيش حياتك بطولها وعرضها. هكذا أخبرني عنك والدي. فلمَ عُدت الآن...ضعيفاً...مُتخاذلاً...مُتسامحاً؟". أجاب يوحنا: "أيها الشباب...لمَ تتركون شبابكم يضيع رخيصاً مقابل لذّة مؤقّتة؟!. وتقولون عني إني مُتخاذل. أنا لست كذلك...ولكني نشيط بالروح، وقوي بالحقّ، ومُتسامح...لأن الرب سامحني على كل خطاياي التي ارتكبتها...وما يزال. فكيف لا أُسامح من يُخطئ إليّ؟. وأكثر مرّة أحسست بالقوّة في حياتي هي عندما سامحت سارقي أموالي...وحرّرت كل المديونين لي من ديونهم...وأطلقت سراح عبيدي. وأكثر مرة أحسست بها بالخزي والعار هي عندما عرفت بشاعة الحياة التي عشتها في السابق. ما نفع الأموال الكثيرة والتنعّم بالخيرات واللذّات ما دام قلبنا فارغاً...وما دُمنا نُبلّل مخدّتنا بالدموع في آخر الليل...نشكو وحدة نفوسنا وعدم امتلاء قلوبنا من الحُب...الحُب الذي لا يستطيع أحد العيش بدونه!. قُلْ لي، أيها الشاب الجريء...الذي تظنّ أنك تعيش بكامل حُرّيتك...هل تُحب؟...ومن يُحبّك؟...ولمَ يُحبّك؟...وحتى متى سيُحبّك؟. هل تُحبّ أباً أو أُمّاً...صديقاً أو رفيقاً...فتاة أو حتى طفلاً...بصدق وتضحية...وتعمل من أجل إسعادهم بتأمين حياة كريمة وشريفة لهم؟". أجاب الشاب: "لا...الحُبّ مُكلفٌ ومُتطلّب. إنهم في قلبي...ولكني لا أعمل من أجلهم شيئاً...إذ أني مشغول مع أصدقائي، ومشاريعي، ولهوي. ولكني لم أجد أحداً يُحبّني...ولا أدري لماذا. تُرى...هل أنا بشعٌ؟". قال يوحنا: "لا...لستَ بشعاً...بل جميلٌ. فالرب خلق كل شيء جميلاً. وأما جمالك...فهو مخفيّ وراء ستار أنانيّتك التي تريد أن تُقنعك بأن العالم لا يُحبّك، وقد رذلك، وأنه عليك كسب أكبر قدر من المال وأسباب السعادة. مع أن الحقيقة أنك جزء من أُسرة...لك أبوان يُحبّانك ويخافان عليك...وأصدقاء كُثر كبروا معك. وهم لا يزالون ينتظرون عودتك. إنّ جمالك في قلبك...يريدك أن تصبح نظيفاً؛ بعد أن تلوّثت بالخطيئة...ومُرتّباً؛ بعد أن تشوّشت بالأفكار وتشوّهت. إن الجمال في داخلك يتمنّى أن يكبر، فتبدأ حياة مختلفة وعُمراً آخر. افتحْ عيونك...فترى الحقيقة، وتعيش في نورها. أطلقْ سراح أحلامك...ولا تُقيّدها بالمال...ولا تربطها بسلاسل الشهوات القويّة. لا تُغلـقْ الباب على أهدافك...بل ابذلْ جزءً من ذاتك كي يُحب ويخدم ويعمل... فتعيش حُرّاً. الحُب يعني أن تُعطي جزءً منك للآخرين. أما المسيح يسوع فقد أعطانا ذاته كاملة...لأنه أحبّنا محبة أبديّة. لا تفقد الثقة بالآخرين...فلا يزال هناك أُناسٌ يُحبّونك...رغم كل شيء، ورغم قسوتك...وينتظرون عودتك. ولا يزال هناك من يرقبك كل لحظة...ويرى كل تصرّفاتك. وها هو واقف على بابك يقرع...فافتحْ له!. إنه ربٌّ كريم...مُحبّ...حكيم...صادق". قال الشاب: "إن كان دائماً يرقبني...فلمَ تركني وحيداً لتلك الظروف القاسية...ثم وضع في دربي هذه الرفقة السيّئة حتى انخدعت وانجرفت معهم في طريق الضياع هذا؟". أجاب يوحنا: "هل ترى، يا ابني أنك تُدرك الآن ما جرى لك؟...لقد جُررتَ وراء شهوتك، وانخدعت بها. لم يضعهم الرب في دربك، بل الشرير الذي أراد أن يفصلك عن الله، فيرميك في أحضان الخطيئة...مُصوّراً لك أن هؤلاء الرفاق هم الوحيدون الذين يهتمّون بك ويرأفون بحالك...وأنهم أدرى بأسباب سعادتك. وهكذا مشيت وراءهم. لكن الرب كان هناك أيضاً، يرقبك ويراك...ويُناديك. ولكنك لم تسمع صوته حينها. أما الآن، فهو يُناديك بصوت عالٍ من خلالي...فلا تُغلقْ آذانك، واسمعني. ثقْ بكلامي...لأني أؤمن بأن الرب الكريم يُحبّك. فثقْ بحُبّه لك، وعُدْ معي إلى من هم يُحبّونك...وقد نذروك بدموعهم وصلواتهم". وعندها قاطعهم شاب آخر...بدا تغيّر يظهر على وجهه...وقد انسكبت الدموع من عينيه: "لقد أصغيت جيداً لكلامك، أيها الرجل. وسوف أُفكّر فيه، وأتفحّصه جيداً...وربما أقبله. ورغم شكوكي الكثيرة، إلاّ أني لا أُخفيك شعوري بالضياع. وأحياناً كثيرة أقول إنه ربما كان هناك ربٌّ مُحبّ...وربما لا. ربما هو يريدني...وربما لا. ولكن من أجل ثقتك به، سوف أُحاول إيجاد مكان...صغير نظيف...في قلبي، أقبله فيه. وإن لم أجدْ...ربما أيأس، وأهب باقي عمري للضياع". فسأله يوحنا: "بماذا تشكّ؟...قلْ. فأفضل علاج للشكوك هو أن تتكلّم عنها، وتُناقشها بصوت عالٍ...فتنفضح ألاعيبها وحيلها". قال الشاب: "شكوكي كثيرة. وقد نبعت فيّ من خلال كلام إنسان كنت أثق به جداً...وبعلمه وثقافته. فهو مُلمّ بعلوم كثيرة وفلسفات الحياة. وكان مؤمناً صادقاً، ومُلتزماً في أيام شبابه. ومع الأيام، اكتشف ظهور أمور جديدة في حياته. أخبرني أنه يرى العالم يتطوّر، والعلوم تتسابق. وما كُنّا نعرفه في السابق ربما لم يكنْ الحقيقة. وربما كُنّا قاصري النظر. أما الآن، فالعلم يقودنا لنرى الأمور كيف جرت... وبصورة أُخرى تُزيل الضباب من أمامنا. فنُدرك الأسرار الكثيرة المُخبّأة في طيّ الأيام والتاريخ... ونعرف من هو الله؛ ولكن بمنظار آخر...ونكتشف رسالته، ولمَ خلقنا، وماذا يريد منّا، ومن هو الله في الحقيقة. وهكذا بدأت صورة الله تتغيّر أمام عينيّ. وصارت لي تساؤلاتي الخاصّة التي بدأت أطرحها عليه، فنحاول معاً إيجاد جواب لها. ويوماً بعد يوم، صرت أكتشف أموراً جديدة. وبدأت أُفكّر بطريقة أُخرى؛ منفصلة عن طريقتي السابقة وعن طريقة مُعلّمي الجديدة. فأنا الآن لديّ نظريّاتي، وتحليلاتي، وأفكاري الخاصّة. ورحت أبحث عمّن يقبل تعاليمي ويتتلمذ لها. فاستخدمت أساليب كثيرة، منها: قوّة أسلوبي، وشخصيّتي، ومكانتي، ومركزي، ومالي. وكل شيء سخّرته كي يصبح لي أتباعاً كُثر. وفعلاً تحقّق هذا الأمر، وتمّ. ولكن المفاجأة أنه بعد فترة قصيرة صار لأتباعي أتباع. وبدأوا يُناقشونني بصحّة أفكاري. وقد استطاعوا أن يُثبتوا لي أن أفكاري خاطئة، وأن أفكارهم هي الأصحّ!. وعندها لطمت وجهي خزياً وعاراً ممّا فعلت. وعرفت أني خُدعت، وخَدعت آخرين...أني عثرت، وأعثرت آخرين. وللوقت رنّت كلمات الله في أذني: ’الويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة‘. فانسحقت ألماً...وفقدت رجائي. وأدركت أن الويل لي...فلا خلاص لي أبداً. تركت العالم...مكانتي...أهلي وأتباعي. والتجأت لهذه الزمرة من الشبّان الذين يهمّهم فقط النساء والشرب واللهو...كي أنسى ألمي. ثم سمعت عنك، وعن قوّة إيمانك. فسعيت للتعرّف على ابنك...وأردت أن أخطفه، مُستخدماً معه أساليبي السابقة. واستطعت إبعاده عنك. لا أدري لماذا فعلت ذلك. ربما حُبّ الانتقام ممّن أراهم سُعداء، فرحين بالله، وأنا قد خسرته...أم أني أحسد كل من يقبله الرب بين خرافه...لا أدري!. لكن هذا الفعل زادني ألماً وحسرة...وضيقاً وبُعداً عن الله. وها أنت الآن تأتي إلينا، وتُنادينا ’أبناءك‘...مُحاولاً أن تُعيد إلينا الرجاء والحُب. فيا لشقاوتي...إلى أين أخذتْني!". قال يوحنا: "لقد كشف لي الرب كل ما قُلتَه قبل مجيئي إلى هنا. لكن السيّد يريد أن تعودوا إليه. فهو الذي ترك التسعة والتسعين، وذهب يبحث عن الضالّ. هو الذي يبحث عن الفلس المفقود. هو يدعوكم...كما دعاني أنا. فلمَ لا تفتحون الآن قلوبكم له، وتكفروا بالشيطان الذي يلعب بكم...ويسوقكم كالعبيد أمامه؟. يا أبنائي...إنكم أحرار بالرب. اطلبوه فيكسّر قيودكم...ويُشعل قلوبكم بالمحبة والغيرة لاسمه القدّوس. ابتعدوا عن الأفكار المُضلّة والخاطئة، التي تريد ما لنفسها. فهي ذاتها، منذ القديم، يزرعها الشرير في حقل الرب...فتنبت، محاوِلة أن تخنق الكلمة. لكن...اسمعوا ماذا يقول ربّ الجنود: ’في وقت الحصاد أقول للحصّادين اجمعوا أولاً الزؤان واحزموه حزما ليُحـرق. وأما الحنطـة فاجمعوها إلى مخزني‘. إن بيدر الرب واسع، وأرضه طيّبة، وملائكته يحرسونكم. أما أولئك المساكين الذين انجرّوا وراء المعلّمين الكذبة...فسرقوا إيمانهم البسيط الحقيقي...وزرعوا الأفكار السوداء الشيطانية، لم يعرفوا أنّ الله هو الحقيقة الوحيدة الكاملة في الكون، لأنه الحق المُطلق. فمنذ أبوينا الأوّلين أعطانا الرب وعداً بالخلاص...أي أنه أعطانا جزءً من الحقيقة الكاملة. ولكن هذا الجزء هو أيضاً حقيقة كاملة قد اختبرها آباؤنا وأجدادنا، وآمن بها، وعاشها أبناء الله. فلا تضلّكم علوم الدنيا...وكبرياء المعلّمين. انظروا إلى حكمة الله التي كشفت نفسها للبُسطاء... للجُهلاء والوُدعاء. فإن آمنّا بالجزء البسيط الذي نعرفه عن الله، فهذا يكفينا للخلاص وللشركة الأبدية معه. لأن هذا الجزء هو كامل. والرب قادر أن يكشف لنا أسراراً كثيرة، ولكن حسب إرادته الصالحة. والآن...أطلب منكم طلباً واحداً، أيها الشباب: صلّوا...واطلبوا من الرب أن يُعلّمكم ويُظهر لكم ذاته... فتزول شكوكم...وتهدأ مخاوفكم...وتعرفون من هو الله الحقيقي. اطلبوه فتجدوه...لأنه قريب جداً". وبعد صمت قصير، أرشدوه إلى مكان ابنه. فذهب يوحنا بخطوات متسارعة... خوفاً على ولده، وشوقاً له. وعندما رآه، كان الموقف مُحزناً للغاية...فالولد يائس ومريض...يفترش الأرض في زاوية من الغرفة...ويلفّ نفسه بغطاء كي يدفأ...وصوت أنينه مسموع من الخارج. وقف يوحنا ينظر ابنه بهذه الحال...ولم ينطق بكلمة...بل ركض إليه وحضنه. مسح دموعه، وسرّح شعره بيده...ولفّه جيداً بردائه، وحمله عائداً به إلى البيت...حيث قضى الولد أياماً كثيرة في علاج مُكثّف. وكانت أُمّه وأُخته ترعيانه وتسهران عليه حتى بدأ يتماثل للشفاء...وعاد لون الحياة إلى وجهه، وبريقها إلى عينيه. وذات صباح، وبينما يوحنا جالس بقرب سريره، قال الابن: "لمَ أتيت إليّ، يا أبي، بعدما أهنتك...ورفضتك...وتركتك؛ آخذاً معي ما ليس لي به حقّ؟". أجاب: "لأني أُحبّك، يا ابني. ومحبّتي تغفر لك دائماً". قال الابن: "ولمَ حضنتني لحظة رؤيتك لي...وعُدت بي؟". أجاب: "لأني أُحبّك...ومحبّتي أرادت أن تغمرك، وتُدفئك، وتُريحك من الألم". قال الولد: "ولكن، يا أبي...عندما رأيتك، ظننت أنك جئت تُعاقبني، وتضربني جزاء ما فعلتُ. ولكني فوجئت بك تركض نحوي وتشدّني إلى صدرك. وكم شعرت بالأمان عندما أغمضت عيوني بين يديك...رغم كل آلامي الجسدية والنفسية. وها أنتم قد اعتنيتم بي حقّ الاعتناء!. لقد عرفت الآن ما معنى العائلة...وما معنى أن أجد من يُحبّني ويفتقدني...ويرعاني دون مقابل...فأُغمض عيوني مرتاحاً. لكن شبح أعمالي السيّئة ما زال يُطاردني...وقراراتي الأنانية تُلاحقني. وأظنّ أنه من العدل، يا أبي، أن تطردني خارجاً. ولكن...إن أردت طردي، أرجوك اقبلني كواحدٍ من الذين يعملون في أرضك...فآكل لقمتي بعرق جبيني". سأله يوحنا: "لمَ تُحبّ البقاء معنا؟...هل لأن لك فراشاً وثيراً، وطعاماً لذيذاً، وأُماً وأُختاً يرعيانك...أم أنك تُحبّ البقاء لأنك تُحبّنا وتريد أن تُبادلنا مشاعرك فنكون أُسرة حقيقية؟. ولكن اعلمْ، يا ابني، أن حالنا تغيّر كثيراً منذ تركتنا. وكما ترى...لم نعد أغنياء كالسابق بالمال، ولكن غِنانا الآن بالرب. نعيش ببساطة وهدوء وفرح...رغم كل حزننا وألمنا على فراقك...لأن الرب لم يتركنا، بل كانت تعزيته محيطة بنا. هيا بنا نخرج الآن لترى ماذا يفعل الإخوة...كيف يهتمّون بالأطفال والشيوخ...كيف يُعلّمون...كيف يُلازمهم فرح الرب!. صار الكل يجد معنى لحياته داخل الكنيسة. انظر للشمس...كيف تخترق أشعّتها صباحاً نوافذ البيوت...هكذا اخترقت أشعّة الرب نوافذ قلوب الكثيرين...وأشرقت في أعمالهم. عندما تركتنا، ظننت أني خسرتك للأبد. لكني سارعت وطلبت من السيّد ألاّ يتركك للخطيئة. وآمنت أنه سيستجيب لصلاتنا وصلاة الكثيرين من أجلك. كلّنا نُحبّك، يا ولدي...ونريدك أن تعيش معنا بدفء وسلام...وشجاعة في مقاومة رفاق السوء وكل الأفكار الهدّامة. لقد كان ألمي على فراقك يكبر يوماً بعد يوم. وفي حلم، أدركت أن الله يريدني أن أُسارع إليك. فذهبت...وإذ بك في تلك الحالة السيّئة. تمنّيت لو أضع نفسي عنك...وأُنقذك من ألمك وحزنك". فقال الابن، وهو يبكي: "أتُحبّني إلى هذه الدرجة، يا أبي؟. كم هو قلبك كبير ومحبّتك عظيمة!". قال الأب: "إن كان حُبّي لك قد لمس مشاعرك وأبكاك، فلمَ لا تدع حُبّ المسيح يلمسك...ويدخل إلى أعماقك...ويُحرّرك؛ فتسير في طريقه؟. إن محبّتي التي قلت أنها عظيمة، هي جزء بسيط جداً من محبّة أعظم...هي محبّة الله. منها أستمدّ الطاقة كي أقوم وأنهض من حزني...ثم أُسارع إلى من يحتاجني. فكيف لا أُسارع إليك...وأنت ولدي الذي قسوت عليه...ثم ابتعدت عنه سنيناً!. وعندما عُدتُ إليه، رأيته شابّاً له أفكاره...ومشاريعه...وأحلامه الخاصة البعيدة عن الطريق الذي أُنادي به. لم أُسارع إليك، يا ابني، لأنك تحتاجني فقط...بل لأنك تحتاج الرب يسوع. فلو كنت ناجحاً، وصار لك مشاريعك، ولم تتعرّض للمرض أو للألم...لكنت أيضاً سارعت إليك. لأن حياة الروح هي الأهم...وهي الخالدة. أما الجسد، فإنه فانٍ...وإلى التراب يعود. إن الله، عندما رآنا قد ابتعدنا عنه...الغني والفقيـر... المُتعلّـم والجاهـل... القـوي والضعيف...أتى هو بنفسه كي يُتمّم وعده بالخلاص. سارع إلينا...وأتى إلى عالمنا المملوء ضعفاً ومرضاً وحزناً وألماً. لفّنا برداء سلامه...احتضننا بقوة ذراعه... وانتشلنا من حياة الخطيئة والجسد...وارتفع بنا إلى السماويات...لنرى كيف أن الله الذي تجسّد حمل خطايانا على منكبيه طوعاً، ومنح الحياة الأبدية لكل من يؤمن باسمه...اعتنى بجراحاتنا بوداعة...زارنا في سجن شهواتنا...أعطانا كأس ماء حيّ يروي عطشنا...وخبزاً حقيقياً يُشبع جوعنا...ستر عُرينا...عزّى نفوسنا...حطّم أسوار ضيقاتنا. وعندها انبلج الصبح بقيامته، وأشرقت شمس البِرّ. مع المسيح نشعر بالأمان. نُغمض عيوننا وننعم بسكينة القلب...مهما كان ألمنا...لأن فيه راحتنا. هو الوحيد الذي وضع ذاته بدلاً عنّا على خشبة الصليب. مات لأجلنا...وقام ليُعطينا الحياة. إن فداءه لنا هو مجّاني...دون مُقابل...وعن غير استحقاق منّا. لقد سألنا فقط أن نؤمن باسمه؛ فنرث الملكوت. أما أمور هذه الحياة، فكلّها تُزاد للذين يؤمنون به. مع المسيح تصبح لنا احتياجات أُخرى...وآمال جديدة...وطموحات مختلفة عن التي كنّا نطمح إليها. لأنه مع يسوع نطلب أن يملأ الحُبّ والسلام العالم...أن تؤمن كل القلوب بخلاصه. معه نركض لاهثين بمحبّته...ونُفكّر ماذا نفعل كي نشكره على حُبّه. لقد أعطانا كل شيء. وها هو دورنا الآن أن نمدّ يدنا للقريب...كي يرى المسيحَ كما نراه نحن...كي يُقدّم له حياته، ويثق أن به وحده الخلاص". قال الولد: "أنت تعرف، يا أبي، أنه في داخلي إنسان طيّب يُحبّ الخير. ولكن نقمتي على الظروف، وتوفّر المال الكثير بين يديّ، جعلتْني أختار طريقاً يبدو سهلاً...لكن عاقبته كانت وخيمة. وها أنا أعود مرة ثانية إلى لحظة الاختيار. وعليّ أن أعرف جيداً ماذا أُريد. وعليّ أن أعود لذاتي وأُفكّر مليّاً في اختياري. فإن كان خاطئاً، سأدفع الثمن وحدي. هذه المرة أتيت أنت وأنقذتني. ولكن في المرة الأُخرى، تُرى من سيأتي؟. هـل سيأتي ذلك المخلّص الذي تُبشّر به ليُناديني ويحتضنني مثلك، ويعود بي إلى حضن أُمّي؟. أصدقائي كلّهم تركوني...بعد أن تنعّموا بأموالي. تركوني مريضاً، محموماً... وكأس ماء لم يسقوني. صرت لهم صفقة خاسرة...وثوباً مُهترئاً...ودلواً مثقوباً. والآن...لا أدري...هل سأنجو من هذا المرض الذي أصابني، أم سأعيش معه لأتذكّر سقطتي؟. لا شكّ أن حُبّك لله...وإيمانك به...وصبر أُمّي...وفرح أُختي...قد أثّروا فيّ كثيراً، ولمسوا مشاعري. وإن جزءً صغيراً من قلبي آمن بالله الذي يهب السلام والثقة والرجاء. ولكن...هناك جزء كبير يريد أن يختبر ويُجرّب. هناك الكثير لأجتازه...وأعمله. وبعدها سأسأل نفسي ’هل آمنتُ...أم لا؟‘. أريد الآن أن أعيش بطريقة مختلفة... وأكون إنساناً جيّداً... مُحبّاً... مُخلصاً... مُطيعاً... يعمل بجدّ... ويسعى للمعرفة بجدّ أيضاً. سأُراقبكم عن قُرب...وأُحاول اكتشاف النور الذي تتحدّثون عنه. لن أرفضه إذا أتاني...بل سأركض إليه. أما ما يُقلقني الآن: مرضي ومستقبلي. فهل ستقبلونني بينكم...أم عليّ الرحيل ثانية؟". أجاب يوحنا: "في الكثير من كلامك راحة لنفسي، بعد قلقي عليك. لكنك الآن تبدو شابّاً طموحاً...تبحث عن هدف ومعنى لوجودك. تريد أن تكون جيداً... مُسالماً... مُحبّاً للآخرين. هذا يعني أنك لست بعيداً عن الله. فذلك الجزء الصغير من قلبك الذي سكنه نور الإيمان، هو سيرشدك ويفتح عيونك لترى النور الحقيقي، الذي هو الرب يسوع. إنه ليس ببعيد عنك...بل هو مُحيط بك. يدعوك أن تفتح الباب...كي يأتي ويُقيم عندك...ويصبح صديقك الوفيّ الذي لا يتركك وقت الشدّة...ولا يبخل عليك بكأس ماء عند عطشك. إن كنت مريضاً سيزورك...وإن كنت حزيناً سيُعزّيك...أو مُحتاجاً فسيعطيك. ها أنك تعرف الآن خطأك...وأن رفقة السوء قصيرة مؤقّتة...تقود الشاب إلى اليأس. إني أحببتك جداً...لكني لم أعرف كيف أحميك من الشر والخطيئة...ولم أستطع إبعاد المرض والألم عنك. لكني سلّمتك ليسوع الوديع...وطلبت منه أن يرعاك ويفتقدك. لقد أدّبك بعصاه عندما سمح أن يحلّ بك هذا المرض...لكنه يسندك بعُكّازه. إنه حكيم وعادل...وقادر أن يشفيك، ويُقيمك منتصراً من هذه السقطة...فتنهض من غفوتك. لن نتخلّى عنك، بل سنساعدك...لأنك ترفض الخطيئة...وتريد أن تكتشف النور. إن أتاك، لن تتركه. هذا ما قلتَه...وهذا ما أراح قلبي. إنك تسير الآن، يا ولدي، في طريق الرب...ولكن بخطوات مُتعَبة وبطيئة. ونحن نثق أن المسيح معك... سيُسرّع خطواتك، ويُرشدك إليه. ابحثْ عن الحقيقة...وخطّطْ لمستقبلك...ودافع عن أحلامك وطموحاتك. ونحن معك ما دامت صالحة وجيّدة. وسأنتظرك، في كل يوم، أن تأتي وتقول لي ’لقد آمنت، يا أبي، بالمسيح مُخلّصاً ومُعطياً للحياة‘. واعلمْ أن الرب يسوع ينتظرك قبلي...منذ سنين...أن تأتي إليه لتقول له ’لقد آمنت بك، يا إلهي...فافتح لي بابك‘". |