الفصل الرابع عشر 
 


وفي يوم جال يوحنا بين القرى. ورأى كثيراً من الناس المُهمَلين والمنبوذين والمُشرَّدين في الطرقات. بعضهم فقراء جداً...وبعضهم مرضى...وبعضهم تائهين. ولا يوجد من يهتم بكل هؤلاء. فالمارّة يرمقونهم بنظرات التشامخ والتعالي، ويحتقرون ضعفهم وقذارتهم، ويشمئزّون من روائحهم الكريهة.
وهنا وقف يوحنا ينظر إلى كل ما حوله بحزن وألم، مُتأمّلاً كيف لا يشمئزّ منّا الرب يسوع؛ نحن الذين تفوح منّا روائح الخطايا الكريهة...بل لا ينفكّ يدعونا كي نطهر به، ونعود إليه...فتفوح منّا روائح القداسة العطرة.
قال لنفسه: ’آه ما أقسى قلوبنا!. فبدل أن تذوب قلوبنا عطفاً ورحمة عليهم، نُدير لهم الظهور، ونمضي في طريقنا. وليس هذا فحسب، فكثير منّا يُزعجهم رؤية المُشرّدين والفقراء...لأنهم ينشرون الأمراض...ويعطون صورة متخلّفة عن المكان...ويؤذون مشاعر أولئك الذين يحبّون الجمال والنظافة والرقي!. أما هذا الفقير، أو المريض، فما هي قصّته؟...ولمَ أصبح على هذه الحال؟. فلو وجد من اهتمّ به ورعاه، تُرى هل كان وصل إلى هذا الوضع المُزري؟. لو وجد من قدّم له يد العون...فأمّن له عملاً كريماً...أو هيّأ له سريراً في مكان ما حتى يشفى...أو تكلّم معه عن مشاكله وساعده في إيجاد الحلول المناسبة، والعبور فوق الأزمة...لما كان تاه وتشرّد‘.
تذكّر يوحنا الإخوة هناك...وكم كانت محبتهم حارّة ومُتّقدة في قلوبهم...وكم حدّثوه عن المُحبّ للرب الذي لا يستطيع أن يقف جامداً، بل يتحرّك ويغلي بمحبة القريب...فيندفع لمساعدته بأي شكل كان.
المُحبّ الحقيقي لا يحتمل أن يرى نفسه مُرتدياً ثياباً ناعمة...ويرى إنساناً عارياً في طريقه، يرتجف برداً وخجلاً. المُحبّ الحقيقي لا يستطيع أن يملأ بطنه وهو يعلم أن جاره مُحتار فيما يُقدّم لأطفاله الصغار وقت الغداء. المُحبّ الحقيقي لا يترك صديقه يتوه في عالم الهموم نتيجة إحساسه باليأس القاتل؛ فيلجأ للشارع والمُخدّرات والرذيلة، علّه ينسى همّه...بل إن المُحبّ الحقيقي يركض وراءه، مُنادياً: ’يا أخي...تعال حدّثني عمّا يدور في قلبك وذهنك...إني هنا...أريد سماعك...لأن الرب يسمعني في كل حين، ويُخفّف عنّي...ويطلب مني أن أُبادر نحوك لأسمعك وأُخفّف عنك‘.
محبّة يسوع لا ترضى أن تُحتجز في قلوبنا كقفص لها...بل تريد أن تطير وتُحلّق في فضاء حياتنا...تريد أن تلتقي بأصدقائنا، وأقاربنا، ومعارفنا، وبمن يعمل معنا...كي تجد لها مقرّاً آخر في قلوب هؤلاء.
محبة يسوع أوسع من أن تكون فقط حلاًّ لمشاكلنا وهمومنا وضعفنا...بل هي للجميع...خاصّة للذين ليس لهم مُحبّ على هذه الأرض. إنهم ليسوا بعيدين عنّا...أحياناً كثيرة يسكنون البيت نفسه، ولكن دون أن نشعر بهم...ولا نُبادر نحوهم...فينغلقون على حزنهم. وهكذا يكون لنا عُذرنا أنهم هم الذين لا يريدون الحديث معنا عن همومهم. هؤلاء ربما كانوا إخوة لنا...رُفقاء في المدرسة... مُعلّمين...أو زملاء عمل...وربما كانوا أولادنا...أو والدَينا. وقد يكونون أيضاً الناس الذين يتجوّلون في أفقر الشوارع وأوسخها...في أحقر الأماكن وأرذلها. هناك...وسط كل هذه الجراح...تُعطي محبة الرب ثماراً كثيرة.
وفجأة سقط رجل أمامه على الطريق، مُنهاراً ومُنهكاً. ركض يوحنا نحوه. ووضع رأسه على فخذه، وسأله: "ما بك، يا أخي؟". أجاب: "أشعر بالجوع والعطش". لقد كان جسده نحيلاً جداً، شعره طويل مُتّسخ وتلعب فيه الديدان. وثيابه مُشقّقة...حتى أنه شبه عارٍ.
لم يستطع يوحنا تمالك نفسه، فأخذ بالبكاء. نظر إليه الرجل مُستغرباً...وفقد الوعي. فحمله، وأخذه إلى أقرب مطعم، وطلب له طعاماً وكأس ماء. لكن صاحب المكان رفض، قائلاً: "لا أستطيع استقبال إنسان بمثل وساخته في مطعمي النظيف". سأل يوحنا: "ولماذا؟". أجاب: "لأن الناس إذا رأوه واشتمّوا رائحته الكريهة، سيهربون...وبالتالي أخسر زبائني". قال يوحنا: "ونفسك...ألا تُبالي أن تخسرها؟!. تخيّل أنك مكانه...فهل تُحبّ أن يرميك هذا الرجل لو كان قويّاً ومُعافى؟".
تلعثم المالك بالكلام، وأردف: "لا أدري...ولكن أرجوك اخرجْ الآن!". نظر يوحنا، فرأى صليباً مُعلّقاً على الجدار. فقال له: "إن المسيح لم يرمِك خارجاً مع أنك مُلوّث بالخطيئة...بل أتى وغسلك منها. فالأحرى بك أن تغسل جروح هذا الرجل، وتُقدّم له كأس ماء. لأن كل ما تفعله به، فإنك تفعله بالمسيح. لكني أراك تطرده خارجاً. فأظن أنك لا تخاف المسيح...لأنك لا تُحبّه". أجاب المالك: "إني أخاف الله". ردّ يوحنا: "لو كنت تخافه لعرفت أنه رحيم...ولكنه عادل أيضاً. فإن لم ترحمْ قريبك، فلن يرحمك...وإن لم تقبل فقيراً من أجل المسيح، فهل سيقبلك في ملكوته؟...وإن أردت العيش فقط من أجل جمع المال، فلن يقول لك ’تعال إليّ...لأني هيّأت لك مكاناً معي‘...بل إن هذا الرجل الفقير المنبوذ، إذا آمن...وبالرغم من كل وسخه وعُريه...سيكون له مكان قريب من المسيح".
ثم قام يوحنا، وأخذ الرجل إلى بيته...فقد أدرك أن الكثيرين سيرفضون استقباله. وهناك غسل جراحه، وقدّم له طعاماً وشراباً. لكن الرجل لـم يستطـع أن يأكـل
بسبب جوعه لأيام كثيرة. لكنه شرب قليلاً، ثم نام.
جلس يوحنا بجانبه ينظر فرحته بالسرير النظيف...وكأنه ملك العالم كلّه. فقال لزوجته: "ها هو الآن اختبار لصدق محبّتنا. لا نستطيع أن نبقى هنا نتحدّث عن محبة الرب...وهم هناك في الطرقات لا يجدون من يرحمهم؛ ولو بكلمة. الرب يدعونا الآن للبدء بالعمل الحقيقي معه. إنه يدعونا للمحبة العملية...لا يكفيها الحديث عنها فقط...بل تريد أيادٍ تتحرّك للعمل". فقالت زوجته: "سأدعو المؤمنين لأمسية محبة، ونتحدّث إليهم".
وفي المساء، قال يوحنا: "إخوتي...لا نستطيع أن نُكمل حياتنا هكذا، مُتحدّثين عن شفافية محبّتنا للرب...والفرح الذي يهبنا إياه...والسلام الذي نعيش فيه...والأمل الذي نرجوه...مُتناسين من هم حولنا من الفقراء والمتروكين.
إن كنّا نُحبّ المسيح حقاً...فقد حان وقت العمل معه. هو أتى للجميع. وهؤلاء هم الذين يحتاجون المحبة لتكون لهم عصاً يستندون عليها...وسقفاً يحتمون تحته...فراشاً ينامون عليه...وغطاءً من البرد. هؤلاء يحتاجون المحبة أن تكون لهم رغيف خبز وقت الجوع...وكأس ماء وقت العطش...رداءً عند العُري...ودواءً وقت الألم.
هلمّ يا إخوتي، نُساعد...كلٌّ بما لديه...أولئك الفقراء. نُقدّم لهم جزءً ممّا نملك...وليس فقط ما يفيض عنّا أو لا نحتاجه. المحبة العملية تتطلّب أن نصنع للقريب المحتاج ما نصنعه لأنفسنا...فلنتخلّ لهم عن جزء من احتياجاتنا أيضاً. إنهم يحتاجون كل شيء...اللباس...الطعام...الشراب...والغطاء. يحتاجون أيضاً ليدٍ تُساعدهم للتخلّص من قذارتهم...ومُداواة جروحهم...وليدٍ تُعلّمهم كيف يُنظّمون حياتهم. يحتاجون كل المواهب التي منحنا إياها الرب: الطبيب، لشفاء أمراضهم...المُتحدّث، كي يُخبرهم عن المحبة والفداء...الفَرِح، كي يُسعدهم بفرحه...المُتألّم، كي يُخبرهم عن تجربته...أصحاب المهن، كي يعلّموهم مهناً...كلمة عزاء منّا. وكلمة تشجيع وحُبّ تعمل الكثير لهم. هيا لنبدأ، باسم الرب، مشروع المحبة العملية. والسيد هو الذي سيُبارك...لأن يده تعمل معنا".
تحمّس الكثير من المؤمنين. وشكّلت النساء فريقاً للاهتمام بهم. وكثّر الله ثمار هذا العمل... فافتتحوا بيوتاً: واحداً للأطفال المُشرّدين واليتامى... وآخر للنساء المُهمَلات... وثالثاً للعجزة... ورابعاً للمُعاقين. وكانت قوة الرب تسندهم. أما أولئك المحرومون فكانوا يستغربون، في البداية، من محبة الإخوة. لكن عندما رأوا المسيح في أعمالهم، كثير منهم قبِل الرب وآمن به.
وفي أمسية محبة، سأل أحد الأخوة يوحنا، قائلاً: "لقد عرفنا أن الله هو أبٌ مُحبّ لأبنائه، وعادل في عطاياه لهم. فلماذا نجد الفروقات الكبيرة بين البشر: واحد جميل، وآخر قبيح...واحد ذكي، وأخوه غبي...وهناك صاحب الأيادي الماهرة، وأيضاً الذي لا يُتقن شيئاً...المجنون، والحكيم...القوي، والضعيف؟. نرى التمايز بين صفات الناس...فأين هو العدل الإلهي؟".
أجاب: "أنت يا من قبلت الله وأحببته من قلب صافٍ ونيّة طاهرة...هل تقول لي أيٌّ من هذين الاثنين هو الأفضل: ذاك القوي والحكيم أم هذا الوديع والبسيط؟...ذاك الجميل والمتكبّر أم هذا القبيح والمتواضع؟...ذاك الذكي وصاحب الخُدع أم هذا الغبي والأمين؟".
قال الأخ: "عندما كنت بعيداً عن الله، كنت أرى القوي هو الأفضل...والحكيم هو الأعقل...والجميل هو المحبوب أكثر...والذكي هو صاحب الابتكارات. أما الآن بعد أن آمنت وعرفت محبة الله العظيمة لي، أدركت أن الوديع يُحبّه الرب، ويكشف له أسراره...والقبيح يرى جمال الله بصورة أعمق...والمتواضع هو قريب من الرب...أما الغبي فقد قبِل الإيمان بسهولة، وصارت كلمات الحق عنده وكأنها سيف في يده".
ابتسم يوحنا، وقال: "ها أنك عرفت الجواب لوحدك. إن عدالـة الله هـي عدالة كاملة وحقيقية...لا نُدرك كل أبعادها...ولا نعرف كل أحكامها. لكنها عدالة محبة. فهو لا يُميّز أحداً من البشر عن الآخر من جهة أنه أفضل...ولكن يُميّزه بصفات خاصّة، كي يعطيه طابعه الشخصي الفريد. وهذه هي صفة الخلق العظيمة: لقد خلق البشر جميعاً غير مُتشابهين...لكلّ واحد منهم صفات خاصّة...حتى التوائم هناك ما يُميّزهم عن بعضهم. فلكل إنسان هبة متميّزة...عن طريقها يستطيع أن يلتقي بالرب، ويُمجّد اسمه في حياته...وتقوده موهبته للالتقاء بالله...هذا إذا سخّرها لمجد من أحبّه: أي الله.
ولكننا نحن البشر ننظر إلى الصفات المُعلَنة لنا في الأشخاص بشكل واضح. فالذكي يظهر بسرعة...والجميل دائماً يُشار إليه...والقوي البنيان فخور بنفسه...وصاحب العلم مُعتدّ بنفسه. أما أولئك الذين ما زالت مواهبهم خفيّة...لا نهتمّ بهم...فلا يأخذون مركز الصدارة في الحديث، أو اللقاء، أو العمل. لذلك نجدهم يعودون للوراء...باحثين عن أي أسلوب خفي لإثبات وجودهم...وكثيراً ما يكون الأسلوب خاطئاً.
إنهم يريدون إثبات وجودهم للآخرين...مع أنهم موجودين. ويريدون أن تُصبح لهم قيمة...مع أنه لهم قيمة. وهذا الوجود وتلك القيمة، قد نالوها...كالجميع...هبة مجّانية من الرب. هو أوجدنا من العدم...ونفخ فينا نسمة الحياة...وأعطانا أهميّة كُبرى عندما اتّخذ جسداً كجسدنا، وتألّم، ومات، ثم قام. صحيح أن جسدنا...الذي شوّهته الخطيئة...سيعود للتراب، لكن روحنا خالدة مع المسيح...مستريحة فيه.
وفي الملكوت لن يكون هناك مُعاق...غبي...ضعيف...أو قبيح...بل كلّنـا سنكـون مُسبّحين مُرنّمين، هاتفين للحمل الذي حمل خطايانا على عود الصليب.
والآن، يا أخوتي...لمَ لا ننظر للجميع بعين الأهميّة، ولا نُقلّل من قيمة أحد...بل نرفع الجميع ونتّضع نحن؟. إن الرب رفع من قيمتنا؛ إذ صرنا أبناءه. فعلينا أن ننظر لجميع البشر نظرة احترام...فلا نهزأ بإنسان، مُستهينين بعقله...أو بجسمه...أو بعاهته...أو بأي خلل في حياته. فنحن يمكن أن نتعرّض لمثل هذا النقص فجأة. فلنُحبّ القريب كما هو...وليس كما نريده نحن أن يكون. نتقبّله...ونقترب منه...بروح المحبة والسلام. وباسم المسيح نُعطي له كرامة لوجوده...وقيمة لحديثه...وتشجيعاً لضعفه...وبلسماً لوجعه".
سأل ذلك الأخ: "وماذا إذا كان ذلك الضعيف والجاهل يُجدّف على اسم الرب...فهل علينا أن نقترب منه؟".
أجاب يوحنا: "وماذا إن كان القوي، والجميل، والذكي يُجدّف على اسم الرب...ماذا نفعل؟. إن من آمن بالمسيح، صار كالسراج الذي لا يوضع تحت المنارة...بل فوقها...ليُضئ للجميع. علينا أن نكون لهم قدوة ومثالاً، دون أن ننظر لميّزاتهم...أو نقائصهم. لنُشر إلى المسيح في أعمالنا. وعلينا أن نكون أيضاً حكماء به...فلا نتركهم يشعرون بضعفنا؛ فيُجدّفون على اسمه القدّوس. إننا أقوياء به، وليس بأنفسنا، أو بعضلاتنا، أو بأفكارنا. قوّتنا مُستمدّة من قوة المسيح الذي لم يستطع أحد تبكيته على خطيّة. هو صخرتنا، فلا نتزعزع، ولا نخاف.
فلنقترب من الجميع. إذا قبلونا، اقتربنا أكثر...وإن رفضونا، فلنصلّ من أجلهم...لأن قوة الصلاة عظيمة. هو قادر أن يكشف لنا موهبته الخاصّة والمتميّزة فينا وفي الآخرين كي يُنميها ويُكبّرها لمجده. ولكن الكثيرين حولنا يحتاجون أن نمدّ لهم الأيادي...فنشجّع ضعفهم...ونقوّيهم على السير وراء المسيح. فالرب يريدنا أن نكون كاملين كما أن الآب السماوي هو كامل".
سأل أخ آخر: "إن كان الرب عادلاً في هِباته وعطاياه، فلماذا نرى أن أحداً قد كُثّرت خيراته والآخر قد نُزعت منه...ونرى المؤمن يُختبر بأوجاع كثيرة، أما غير المؤمن فيعيش بأوجاع أقلّ؟".
أجاب يوحنا: "من يضع رجاءه كاملاً في الرب، لا بدّ أنه سيتعرّض للكثير من الآلام...ولأنواع عديدة من التجارب. فإن صبرنا، تحوّل ذاك الألم لخير نفوسنا. فكل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يُحبّون الله. وعندما يسمح الرب بالتجربة، فإما لتأنيبنا على خطايانا وتذكيرنا بها، أو لتدريبنا على تحمّل الحياة الصعبة في هذا العالم المضطرب بأفكار كثيرة...حيث تأصّلت الشرور المميتة في القلوب.
إن رحمة الله تسمح بأن نُفتقد بتجربة أو ضيق...بألم أو مرض...لنعرف هل ما زلنا أوفياء للرب أم أننا اتّكلنا على آخر. فالألم بحدّ ذاته هو إحساس يُقرّبنا من المسيح المتألّم على الصليب. وكثيراً ما بألمنا تتشدّد قوانا لمجابهة الشرور... ورفض الخطأ...والسير قُدُماً مع المسيح.
وهناك ألم المحبة...عندما نرى كم يُهان حبيبنا كل يوم...وكم تُغرس أشواك جديدة في جبينه...وكم تُدقّ مسامير في يديه ورِجليه...وكم من حربة قد اخترقت صدره!. فخير لنا أن نتألّم على هذه الأرض...ونثبت بالرب...ونبكي دموعاً غزيرة نغسل بها قلوبنا. فها هو الشرير لا ينفكّ يُحيك الخدع الكثيرة كي يُسقط أبناء النور في شباكه.
ولهذا نتألّم...لأننا ربما نضعف ونسقط، فنبكي أنفسنا...لكننا نقوم ثانية مع المسيح. وأحياناً أُخرى لا نسقط، بل نُقاوم وننتصر على التجربة. ولكننا في المقابل قد نخسر مكاسب مادّية...أو اجتماعية...أو أشخاصاً قريبين منّا...فنبكي أيضاً. ولكن الرب قريب...هو الذي يُكلّمنا. فطوبى للنفس التي تسمع الرب يُحدّثها وتقبل من فمه كلام التعزية!...طوبى للآذان التي تُحسّ بنبض همس الرب!.
إن الرب موجود دائماً. فلنكنْ شجعاناً ولا نخفْ...لأن ثقتنا به ثابتة ولا تتزعزع. وإن كان لا بد من الألم، فما أحلاه بقرب المسيح. وهكذا فإن طريق المؤمن ضيّقة ومليئة بالمخاطر. عليه أن يكون يقظاً كي لا تصطدم رِجله بحجر. عليه أن يعرف ما هي غايته...وما هو هدفه ومبتغاه...وإلى أين يسير. فإن ترك إنسانَ الأمس، وأراد أن يكون إنسانَ الغد الذي يكتسب منزلة جديدة رغم الألم...فهنيئاً له، لأنه سيكون حتى النهاية بقرب المسيح.
أما غير المؤمن، فطريقه واسعة...عريضة وسهلة...لا يوجد من يؤنّبه، مُطالباً إياه السير بصدق وإخلاص وتضحية. فهو يسعى لما يريد بكل طاقته...محاولاً دائماً تحقيق آماله وطموحاته...ولو على حساب الآخرين. وما أن تعترضه مشكلة حتى يُفكّر بالطرق الممكنة لديه كي يُذلّلها...وغالباً ما يستطيع، لأن مشاكل هذا العالم تُحلّ بسهولة إذا لم تُطلب الإرادة الإلهية فيها. وذلك يكون إما بالتجاهل...أو عدم الاكتراث...أو برشوة...وربما بالاعتداء والضرب...أو بالسيطرة…
فغير المؤمن نراه لا يُفكّر كثيراً في سبب آلامه وأحزانه، بل يحاول نسيانها...فيسعى جاهداً لإرضاء نفسه، بأي شكل كان، للحصول على جزء من السعادة الفانية وقضاء أوقات ممتعة؛ بعيداً فيها عن ذاته.
وربما يسعى غير المؤمن أن يكون إنساناً جيداً، مدفوعاً من إنسانيته...فيسعى لتحقيق السلام والحرّية...ويحاول إسعاد أسرته...متمسّكاً بمبادئ كثيرة: كالصدق، والحُب...ولكن الألم، نتيجة الفراغ الكبير في قلبه، يُلاحقه ليل نهار...إذ أنه يُدرك في أعماقه أنه يوجد من هو وراء كل هذه المبادئ. فجميع دوافعه...إن لم يباركها الرب، وإن لم يكن هدفهـا تمجيـد اسمه...تبقى محدودة، وتضمحلّ بسرعة.
فكم من الجهود قد بُذلت لتحقيق السلام في مكان ما، ولسنين عديدة، ثم ضاعت في لحظة!...لأن أطرافها لم يطلبوا إرادة الرب في حياتهم أو لمستقبل بلادهم...بل أرادوا الأفضل لهم، وحسب مشيئتهم.
وكم من الحروب اندلعت فجأة بسبب إنسان واحد رمى القنبلة الأولى...بعد أن أشعل فتيلها...كي يُطفئ نار حقدٍ في داخله...أو كي يثأر لإنسان أحبّه!.
أما مع المسيح، الذي علّمنا أن نُحبّ أعداءنا ونُبارك لاعنينا، لا نحمل سيف القتال، بل سيف الحق: كلمته التي لا تعود فارغة...بل دائماً تعمل في الجميع...مُغيّرة حياة كل من يقبلها ككلمة الحياة...وكل من يعرف مصدرها، الذي هو الله نفسه.
فيا إخوتي...لا ننشغلْ كثيراً بمن حولنا من الناس وبمقدار آلامهم وأوجاعهم... طالبين أن نعرف أسبابها لنقارنها بأوجاعنا؛ مُتسائلين لمَ نُمتحن بتجارب كثيرة ولمَ نُعاني من آلام متنوّعة!...بل لننظر إلى المسيح الذي تألّم من أجلنا!...لننظرْ إليه ينزف دماً نقيّاً من أجل أن يُطهّرنا من خطايانا!...لننظرْ كم نؤلمه أكثر وأكثر ببُعدنا عنه، وكم نُفرحه بعودتنا إليه... مُتقبّلين الألم...ماشين معه إلى الأمام لخطوات عديدة...ومُكتشفين، بعمق، أسرار محبّته العظمى التي لا يحدّها مكان أو زمان!.
أما إن كان الهدف من مقارنة آلامنا بآلام الغير كي نُقدّم لهم المعونة والإرشاد، فهذا حسن في عينيّ الرب. أما إذا كانت مقارنتنا هذه عتاباً لله الخالق، سائلين إياه: ’لماذا تمتحنني بهذه القسوة...مع أني أحبّك وأُنفّذ وصاياك...وجاري الذي لا يريد معرفتك تُلبّي طلباته وتُعطيه أكثر وأكثر؟!‘، هذا يعني أننا نحسد الآخرين على عطايا الرب لهم...مع أن الله عادل وكريم ومُحبّ...يُعطي الجميع دون استثناء...ويُشرق بشمسه على الأشرار والأبرار. وهو يعرف زمن افتقادنا... وكيف يرشدنا إلى طريقه... ولا يمتحننا بتجربة لا نقوى على احتمالها. فلكل إنسان صليبه في هذه الحياة...عليه أن يحمله بصبر ويسير وراء الرب. فلا نظننّ أن صليبنا ثقيل وصليب الآخرين أخفّ...لأنه حتى إذا بدا صليب الآخر صغيراً وخفيف الحمل...لو حاولت أنت حمله، لوجدته أثقل من صليبك الذي تراه ثقيلاً وكبيراً.
فاشكر الرب على كل شيء...واطلب منه العون كي تتبع المسيح بقلب متواضع ونيّة صافية. فبألمنا الذي هو من أجل الرب، نملك معه إلى الأبد، ونُشاركه محبّته الطاهرة. فعندما تسقط تحت ثقل آلامك، لا تيأس يا أخي...فإن الرب سقط ثلاث مرّات تحت ثقل الصليب الذي حمله طوعاً من أجلنا...فصار به خلاصنا. بل اطلب منه أن يُرسل لك سمعاناً قيروانياً يحمل معك ويُخفف عنك...واطلبْ منه أيضاً أن يُرسل لك من يُنشّف وجهك بالمنديل، مثل تلك التي نشّفت وجه المخلّص الممتلئ دماً وعرقاً.
فها هو الرب يدعوك للحياة والقيامة معه، رغم كل آثامك وخطاياك وبؤسك... يدعوك أن تنهض الآن، تاركاً الحِمل الثقيل القديم وحاملاً حملاً آخر...ربما يكون ثقيلاً أيضاً، لكنه من نوع جديد.
صليبنا الآن هو خطايانا وآلامنا، وليس التفكير بالعالم ومكاسبه...بل إن حِملنا هو مقدار ما نرتكبه من آثام، ومقدار ما نتحمّله من آلام. الآثام فلنطرحها عند أقدام الرب يسوع؛ كي يرفعها عنّا ويُعيدنا خفيفين...منطلقين. وأما الآلام فلنضعها بين يديه المسمّرتين؛ كي يجعلنا فرحين...مرنّمين له...ممجّدين اسمه المبارك إلى الأبد".
وفي أمسية محبة أُخرى، قال أحد الإخوة: "يختبر كثير من البشر مشاعر حُب صافية لا تقف عند حدود الجسد...بل تتعدّاه لتلمس الروح. تلك المشاعر نمت في قلوبهم بصدق ونقاء...وتطلّعت أن يُشاركها الآخر صدقها ونقاءها. ولكن ما أكثر الصدمات!...وكم من الجروح العميقة اخترقت قلوب أولئك الذين ظنّوا أن الحُب لا يُباع ولا يُشترى...ولا يموت. بل هو خالد، لأنه مُستمدّ من الحُب الأزلي. ولهذا احتملوا الكثير...صبروا...ضحّوا. ولكن بقوا مؤمنين بقوة الحُب بأنها ستُعيد لهم ما ضاع.
وآخرون ظنّوا الحُب مشاعر مؤقتّة...تموت عندما لا يكون ملموساً أو محسوساً. لذلك ضيّقوا أُفق قلوبهم، وعصروا مشاعرهم...فلم تُعطِ نبيذاً حلواً، بل خلاًّ حامضاً...وهكذا ماتت مشاعرهم. وبعد سنين، يعودون ليقولوا: ’أصحيح أن ذلك الحُب كان هبة؟!...وكيف أضعناها؟...ولمَ؟‘. ويبقى مكان تلك المشاعر فارغاً...حتى إذا تغيّرت الظروف، وأخلصوا، وصدقوا من جديد...إلا أن مكانها لا يزال مفقوداً داخلهم.
أما الذين عاشوها، رغم الألم، سيبقى مكانها ممتلئاً دائماً. فربما يتغيّر شكل الحُب أو صورته، لكن العمق الذي أعطاه لا يذهب...ولا يرحل...ولا يصبح عدماً. فالحب النقي مستمدّ من الله...وقد وهبه لنا بالمجّان...فلا يستطيع أن يتحوّل إلى فراغ!.
هكذا هي محبة المسيح لنا: صافية... نقيّة... شفّافة... تلمس قلوبنا وأرواحنا... وتتسرّب بهدوء وعمق إلى أساريرنا، فتُهيّئ لها مكاناً بكل فرح وسلام. وقليلاً قليلاً، يتملّك حُب المسيح على القلب...فلا نعود نُحسّ بقلوبنا، بل بحُبّه ينبض فينا.
حُب المسيح لا يمكن أن يسقط...ولا ينتهي. فمهما ابتعد أولئك الذين هيّئوا له مكاناً في قلوبهم وتركوه يملك عليهم...ومهما ضلّوا...ومهما تألّموا أو جُرّبوا...لا بدّ أنهم سيصمدون...لا بدّ أن يعودوا إليه...لأنهم ذاقوا حلاوة حُبّه. سيصرخون: ’ألا اقبلنا في بيتك، أيها الرب...لأنه هنا مقرّنا...وهنا راحتنا...وهنا سكون نفوسنا‘.
أما الذين يحبّون المسيح بالكلام...أو باللسان فقط...ولا يدَعونه يدخل إلى أعماقهم بمحبّته النقيّة...فهؤلاء كقشّ البيدر الخفيف، يطير مع الريح، ولا يدري على أي بيدر آخر سيقع. لذلك أوصانا الرب أن نثبت فيه، لأنه فينا. هو كلّه لنا...فلماذا لا نكون نحن كلّنا له؟!. إن المسيح الذي أحبّنا بصدق فريد...وأمانة أبدية...سارع إلينا، قائلاً: ’هلموا هيّئوا المذود...سأولد أنا في بيتكم اليوم من جديد!...هلموا أدفئوا المكان بدموعكم كي لا أبرد!...هلموا لفّوني بأقمطة إيمانكم!...هلموا...إني جـائـع لمحبّتكم...وعطِش لرجائكم فيّ!‘.
نعم، إخوتي...لندع الإيمان يقول في قلوبنا: إننا نؤمن بإله المحبة... والرجاء يقول: إننا سنعيش في حمى إله المحبة... والمحبة تقول: سأعمل هنا جاهدة، لأنني قد أُغرِمت بإله المحبة.
لقد صار لنا حبيباً لنفوسنا...ليس مثله حبيب!...عريساً قد أتانا يحمل زهور السلام...يُعطي الحياة أينما حلّ. حتى إذا ماتت الورود من الألم، فستعود لتحيى...حتى إذا فقد الربيع لونه، سيصير له لون أبهى...حتى إذا تلبّدت الغيوم الداكنة في السماء وحجبت نور الشمس، سيأتي المسيح ليبدّدها، ويعطينا نوراً مُشرقاً...ساطعاً...نرى من خلاله كل شيء جميلاً".
وقال أخ آخر: "ننظر حولنا فنرى الناس يتسابقون في هذه الحياة...يبغون الغلبة!. فالشاطر الذي يظن أنه جمع أموالاً أكثر في مدّة أقلّ...وأنـه أمّن كل ما يحتاج إليه، وكل ما يتمنّى ويشتهي. ويقضي الليل ساهراً...مفكّراً في الطرق والوسائل التي سيجمع فيها أموالاً أكثر. والقسم الآخر أهمل كل شيء...وترك كل شيء. وانطلق يعيش هائماً على وجهه...لا يملك شيئاً.
أما مُحب المسيح، فهو يريد أن يملك ما هو أسمى... أشرف... أغنى... أجمل... أفخر من كل شيء... أكثر راحة من أية وسيلة ترفيهية...أكبر من أي عالم...أدق من أي اكتشاف...وأبدع من كل الفنون. إنه يريد المسيح، وكفاه.
نستطيع أن نعيش مع المسيح في منزل فخم ورائع...ونستطيع أن نعيش معه في خيمة...وأيضاً في الطريق. ولكن السؤال هو: أين نُحبّه أكثر...وكيف؟. هل يُحبّه الغني عندما يتصدّق بما يفيض من أمواله، ويُشارك في الاحتفالات الدينية، ويتراءف على بعض الفقراء، وعندما يُصلّي كل مساء؟. والجواب: نعم...إنه يُحبّه. ولكن تُرى إلى أي حدّ؟. لأن السؤال المُلحّ هو: تُرى ما هو مصدر قوّته في هذا الوجود؟... هل تنبع من إيمانه أم من أمواله وسلطته وجاهه وحفلاته؟...وهل رغم أنه غني، يضع ثقته في الله القوي؟. إن كان كذلك، فما هو غير مستطاع عند الناس مُستطاع عند الله...والرب لا ينسى عمل الرحمة.
وذاك الذي يعيش في خيمة...تُرى ما سرّ قوّته: إيمانه أم فقره؟. فالبعض من فقراء هذا العالم نجد قوّتهم بطريقة كسب عيشهم. بعضهم أتقن أساليب الخداع المتنوّعة...ويضحكون عندما يقع أحد في مصيدة ذكائهم؛ فيكسبون منه بعض المال. والبعض الآخر قوّته في جسده...فهو قادر، رغم الظروف القاسية، أن يبقى حيّاً، ويكسب رزقه بتعبه. أما الغالبية، فقد اتّكلوا على الرب...ووثقوا أنه هو من يرزقهم ويُلبسهم...مثل زنابق الحقل التي تمنّى سليمان الحكيم أن يرتدي حُلّة بمثل جمالها. فآمنوا أن ثوب الفقر الذي يُلازمهم على هذه الأرض، سيُكسبهم ثوب المجد مع الله في ملكوته.
وأولئك الذين وهبوا عمرهم للتشرّد في الطرقات...نسألهم: ’لمَ؟‘. بعضهم تشرّد بسبب الفقر الشديد...والقسوة...والحاجة...أو لسبب خارج عن إرادتهم...وعدم امتلاكهم شيئاً من متاع هذه الدنيا. ورغم ذلك لا يزالون مع الرب...رغم الجوع والعري والبرد. وبعضهم فقد قيمة الحياة...فلا يبالي بأي شيء، قائلاً: ’لمَ العمل...والحُب...والصحة...والوجود نفسه؟. فنحن، كالحشرات، عندما تفارق الحياة ينتهي أمرها...ولا نعرف متى!. فلمَ التعب والجهد من أجل لا شيء؟‘.
هؤلاء لا يريدون المسيح...حتى في ألمهم، وفقرهم. فما أبعدهم عن الحُب!...وكم يحتاجونه!...وكم علينا أن نُحبّهم أكثر، ونُبشّرهم بمن أحبّهم حتى المنتهى.
ونرى الكثير من البشر الأقوياء يتخلّون عن الرب بسهولة...بحجّة أنه لا ينفعهم!. فلا حاجة لهم به...بعد أن ملكوا كل ما يشتهون!. ولكن ما أن يتعرّضوا لمشكلة حتى يركضوا إلى أصدقائهم، طالبين العون. ثم يحاولون بأموالهم حلّ المشكلة. وعندما يعجز المال والبشر، ينظرون إلى السماء، ويقولون: ’تُرى هل أنت موجود يا الله؟...إن كنت موجوداً، فأنا الآن أقبل مساعدتك‘. وأحياناً كثيرة يستجيب الرب...رغم ضعف إيمانهم وكبريائهم...لأنه صالح. وبعد أن تنتهي المشكلة، بعضهم يعود لحياته الأولى...ناسياً مراحم الله معه. والبعض يُكمل الطريق...وتتغيّر صلاته لتصبح: ’أشكرك أيها الرب الإله...لأني أعرف أنك موجوداً...وقد ساعدتني، أنا غير المستحقّ‘. فيسأله الرب: ’وأين الآخرون؟...ألم أُساعدكم جميعاً وأُطهّركم من الخطيئة؟...لمَ عُدتَ أنت، وأما البقيّة فنسوني؟‘. إن الرب يسوع لا يتعب ولا يملّ من السؤال كل لحظة: ’أين الآخرون؟‘. لأنه يريدنا جميعاً أن نعود إليه شاكرين، كي ننعم بخيراته.
فيا إخوتي...علينا نحن أبناء الله أن نذهب وراء هؤلاء، ونسألهم: لمَ لم تعودوا للرب؟...إنه ينتظركم، ويسأل عنكم. أليس هو من كثّر خبزاتكم...وشفى مرضاكم؟. تعالوا معنا... واتركوا هموم العالم، وكل ما فيه: أمواله... مشاكله... فقره... تشرّده... عجزه... علومه. تعالوا نقدّم للرب شكراً على كل شيء...لأنه وهبنا الحياة الأبدية في اسم محبّته".

عودة        الرئيسية