الفصل الثالث عشر 
 


وفي الصباح، ذهب يوحنا باكراً إلى حقوله. وتمشّى بين الكروم مُسبّحاً الله على جمال ما خلق. فالتفّ حوله خدمه والفلاحون الذين يعملون في حقوله. حتى أولئك الذين تمرّدوا بعد رحيله، عادوا كلهم كي يُحيّوه، خوفاً منه...لأنهم يعرفون قسوته إذا غضب. أما يوحنا فتكلّم مع الجميع بطول أناة. وأخبرهم أنهم منذ اليوم سيعيشون معاً في سلام...وأنه سيُشاركهم خيرات الأراضي...وأن لديه خطّة، فيها سيكون لكل شخص، أو عائلة، قطعة من الأرض يعمل بها، ويأكل من تعبه...دون أن يُقاسمه أحد فيه. وأنهم سيعملون جميعاً في الأراضي الكبيرة. وبثمن المحصول، سيُنشئ لهم ما يحتاجون إليه من مرافق. وأخبرهم عن الحياة الجديدة التي عزم أن يحياها...ويحبّ مشاركتهم بها. وأعطاهم الحرّية أن يقبلوها ويبقوا معه، أو أن يتركوه. وأنه سيُعوّض على كل من يريد الرحيل بمبلغ كافٍ لبدء حياته في مكان آخر.
وهكذا تركه قسم من الفلاحين، وبقي معه القسم الأكبر. وبدأ يُعلّمهم ويُبشّرهم بكلمة الحياة...تُساعده زوجته وابنته بذلك، بعدما أكمل يوحنا تبشيرهما.
لكن يوحنا تعرّض لمُضايقات كثيرة من أرباب العمل المجاورين له، ومن وأصدقائه القدامى... والذين حاولوا أن يُحيكوا له المكائد لاصطياده. وذلك لأن ما قام به أخذ يُشكّل خطراً على مصالحهم. كان البعض يتّهمه بالجنون أيضاً، لكنه لم يُصغِ...بل ترك قلبه منشغلاً بالله وحده. وظنّ قوم آخرون أنه ساذج. فراحوا يسرقون. لكنه وبّخهم بهدوء...فارتعبوا. وبعضهم عاد إلى الطريق الصحيح.
هكذا مرّت أيام كثيرة من العمل المُكثّف في حقل الرب. وبدأت ثمـار أعمالهـم
تنضج. أما يوحنا وأسرته فكانوا يشعرون بالأسى على ابنهم الذي ما زال غارقاً في الملذّات. لا يريد أن يسمع...ولا يريد أن يتحمّل المسؤولية. وكل ما يهمّه هو الشرب والسهر. حاولوا بطرق شتّى أن يدخلوا لقلبه كي يساعدوه. وأخبروه عن ألمهم لحاله. وأنهم يحبّونه...وينتظرون صحوته.
وكان يوحنا يضرع للمسيح المتألّم أن يُشرق عليه بنوره فيرى الحقيقة...أو ينظر إليه نظرة عطف واحدة، فيرقّ قلبه ويتوب. لكن الولد لا يريد. أحب حياة اللهو والكسل والمجون...فلا يُبالي بأهله أو بمستقبله. أما يوحنا فلم يكفّ عن الصلاة من أجله. وفي كل يوم يقول لزوجته: "علينا الصلاة أكثر وأكثر...لأن السيد لا بدّ أن يستجيب لدموعنا...ويمدّ له يده؛ فينتشله من عالم الخطيئة...ويُعيده إلينا".
ويوماً...فتن رفاق السوء في رأس الولد. وأقنعوه أن أباه سيُبدّد الأموال والأراضي من أجل إلهه الجديد. والغريب أنهم كرهوا الرب كرهاً شديداً من دون أن يعرفوه...فقط لأنه يريدهم أن يعيشوا السعادة الحقيقية معه.
وهكذا جاء الولد وتكلّم مع أبيه: "لقد قرّرت الرحيل من هنا. أُريد نصيبي. أعطني إياه، ودعني أذهب وأعيش حياتي...وأرى ما تُخبّئه الأيام لي...بعيداً عن وصايتك ورقابة أمي".
أعطاه يوحنا نصيبه، وأراد أن يُودّعه...لكنه رفض، قائلاً: "لقد ذهبتَ لسنين طويلة دون وداع...فلمَ تريدني الآن أن أُودّعك؟. إني أحقد عليك، يا أبي...ولا أعرف لماذا. لكني أشعر بالسعادة بين أصحابي".
فأجابه يوحنا بألم...والكلمات تخرج من فمه بصعوبة: "سألتك السماح، يا بُني، مرّات كثيرة، ولم تُردْ. والآن أسألك من جديد أن تُسامحني. وإن لم تستطع، اذهب وعشْ حياتك كما تريد. ولكن تذكّر أنه في أي لحظة أردت العودة...حتى ولو كنت لم تُسامحني بعد...سوف تجدني في استقبالك. سأكون لك أباً حنوناً طيّباً. ولكن لا تجلب معك الخطيئة تحت سقف بيتي...اتركها هناك، يا ولدي...فقد شوّهتْ جمالك...وسوف تقضي على شبابك. افتح قلبك للحرّية الحقيقية...للشمس الساطعة...فترى النور الذي أخبرتك عنه.
إن المسيح هو صديقك الأمين...سيفهمك إن شكوت له...سيمسح دموعك، لأنه يعرف وجعك. لا تخجلْ...أخبره بما لديك...واتركه يدخل إلى أعماقك. فها هو واقف على باب قلبك يقرع...ويريدك أن تُجيبه، قائلاً: ’ادخلْ...طهّرني وعزّيني...ارحمني وباركني...وانقذني من هذه الحال‘.
لقد كثر الأصحاب حولك من أجل أموالك. وعندما تنفذ، سيتركونك. وحينها تذكّر أن لك أُسرة تُصلّي من أجلك كل يوم وكل ساعة...طالبة لك العون.
الحرّية التي تظنّ أنك ستعيشها ما هي إلا وهم قد خدعتَ نفسك به. الحريّة التي تريدها هي حُب الجسد الفاني. ويوماً سيفنى الجسد ويعود إلى التراب...أما روحك، فأين ستذهب، يا ولدي؟. لمَ لا تُفكّر بها؟. لا بدّ أنك تعرف كم هو ألم الروح عميق...فلمَ تُفكّر دائماً بالجسد وشهواته؟.
قد أخطأتُ أنا...فلمَ تقسو أنت على روحك وتظلمها بسببي؟. أريدك أن تُسامحني فقط...لا أن تُحبّني. وأريدك أن تعيش حياة طبيعية كريمة...ولو بعيداً عني...ولكن ليس في الظلمة. قد خُلقتَ لترى النور، وليس لتعيش في الظلمة. لأن الذي خلقك إله النور...بل إنه هو النور نفسه. فكيف لم ترَه حتى الآن؟...وكيف لم تُميّز صوته؟...وكيف لم تستجب لندائه؟.
يا ولدي، أرجوك أن تقف لحظة أمام نفسك. انظر لوجهك في المرآة...وادخلْ إلى عمقك بصدق...واعرفْ ماذا تريد. قد كنت طفلاً طموحاً...طيّباً...وديعاً. فأين هي مقاصدك وأهدافك؟...أين هو حُبّك؟...وأين بساطتك وطيبتك؟. لكن إن كنت مُصرّاً على الذهاب، اذهبْ...فلا بد أن تعود يوماً وأستقبلك مُجدّداً...لأن الرب يسوع لا يريد لك الهلاك بل الحياة".
رحل الابن...فغرقت الأم في حزن شديد لأيام طويلة. ورفضت أن تتحدّث مع أحد...بل كانت دائمة البكاء. وأخيراً تحدّثت مع يوحنا وابنتها، قائلة: "لقد ذهب ابني. تُرى أين يعيش...وكيف؟. وعدتَني بالسلام والأمان في حمى الله...فأين هو الأمان لروحي وأنا لا أعرف ما وصلت إليه حال ولدي؟. كيف ستلمسني محبة الرب وقلبي مولع به، وجريح؟. أقضي الليل خائفة...وأطلب من الله أن يعود لي مع طلوع الفجر. لكنه لا يأتي. أقول للرب: ’خذ كل ما عندي من أموال وأملاك...فقط أعده لي‘. وعندها سأحس بالأمان، وأُغمض عيوني، وأرتاح. معي...أعرف إن كان مريضاً أم لا...حزيناً أم مُتألّماً...فأمدّ له يدي. لكن هناك...لا أدري مع من يسكن...ماذا يأكل...كيف يقضي أيامه.
قلتَ لي إن المحبة تجمع وتُصالح، وتُبدّد الخصومة، وتُريح النفس. وها أنا خسرت فلذة كبدي...فتخاصمت مع الحياة كلها. ونفسي لن ترتاح أبداً حتى أراه عائداً لي سليماً مُعافى".
فقال يوحنا: "أعرف كم هو قاسٍ عليك هذا الأمر، لأنه قاسٍ عليّ أيضاً...وربما عليّ أصعب. فأنا لا أخاف عليه فقط من غدر أصدقائه، أو من المرض والألم...بل أخاف عليه من الخطيئة. وخوفي هذا يكبر كل يوم. فإن كان هنا، أو هناك...فلقد أحبّ الخطيئة أكثر من الله. ونحن مُتألّمون...سواء رأيناه بأعيننا أم لا. لأنه اختار الظلمة، ورفض النور. فلن يسكن قلبنا أبداً...حتى إن عاد إلينا. ولن تهدأ أفكارنا وتصمت مخاوفنا، لأننا أحببنا الله...وتعاهدنا على العيش في حضن محبّته. وطالما ولدنا خارج حمى السيد، سيبقى ألمنا عميقاً...على قلبه الذي يتشوّه أكثر وأكثر...على عيونه التي ترى ألواناً عديدة من الفساد...على يديه التي لا تعمل من أجل الحق، بل من أجل الخطيئة. وها هي قدماه قد قادته إلى مكان أشدّ إيلاماً لنا وله.
علينا بالصلاة كثيراً من أجله. هذا هو العمل الوحيد الذي يفيده. فدموعنا...وصراخنا...وزفراتنا لن تُجدي نفعاً إن لم نُوجّهها للرب...ونطلب منه أن يفتقد هذا الابن الضالّ...فيُنير له طريق العودة إليه، ثم إلينا. هو قادر أن يحميه...أما نحن فلا. هو قادر أن يُنجّيه...ونحن لا نستطيع. فقط هو الذي بإمكانه أن ينتشله. فلندعه في رعايته".
قاطعته زوجته: "لا أستطيع تحمّل فكرة خسارته. إنها تؤذيني جداً...وتخنق أنفاسي في صدري. فكل شيء طعمه مرّ في حلقي...ولا لون للحياة في عيني. فكيف إن خسرته فعلاً؟...ماذا سأفعل بألمي حينها؟...وأين سأختبئ من حزني؟...وأي مكان سيسع جُرحي؟". وعادت لتبكي.
حاول يوحنا أن يُعزّيها، قائلاً: "ما زلت جديدة في طريق الرب. وإنها لتجربة قاسية حقاً. لقد اختبرت أنا أيضاً تجربة قاسية في بدء طريقي، ومرضت نفساً وجسداً...وما عادت قدماي تحملاني من الحزن والألم. فقرّرت ترك ذلك المكان والعودة إليكم. فقد ظننت أن طريق المسيح كله ألم وحزن. وأين هو الفرح...وأين الرجاء والسلام؟!. لكن الرب، له المجد، تكلّم في أعماقي...وبدّد ظلام روحي...وملأني تعزية. فأحسست وكأنه يحملني على منكبيه... وغمرني بالسعادة. فصرت كلّي ثقة أنه سيسند ضعفي...وسيُقيمني عندما أسقط نتيجة ضعفي، أو ألمي، من جرّاء أية تجربة صعبة.
والآن صار دورك كي تختبري الحياة معه. ليست كلها سلام وأمان على هذه الأرض. لكنه وعدَنا بحياة أُخرى لا ألم فيها...ولا وجع. ما لم ترَه كل العيون وما
لم يسمع به إنسان ما أعدّه الله لمُختاريه.
أما الآن، علينا تقبّل الألم...عالمين أن الضيق يُنشئ صبراً...والصبر تزكية...والتزكية رجاء . ليكنْ ألمنا كالشوكة في قلوبنا؛ تُذكّرنا دائماً بألم السيد...فنسير معه درب آلامه. لا تخافي الألم، ولا تخشيه. فمهما كانت نهاية ابننا، لنُقرّب ذواتنا لله...ولنشتعلْ بمحبّته...واثقين بقدرته على تطهيرنا، وتقديس أجسادنا ونفوسنا...فنختار طريقه بصدق وثقة ورجاء.
لن ندع أي إنسان يفصلنا عن المسيح...مهما كان عزيزاً، أو حبيباً. لن ندع أي أمر يُعيقنا عن المضيّ وراء الملك...بل سنكون دائماً معه، نهتف له، ونبارك اسمه القدوس...نحمل الأغصان فرِحين...رغم الألم. فها قد صار لألمنا طعماً آخر مع المسيح...طعم حلو، وليس مُرّاً كالذي شعرتِ به في حلقك. انظري إليه مُعلّق على الصليب. لقد سالت دماه من أجلنا...ومن أجل ابننا...ومن أجل العالم أجمع. ثقي به...وسلّميه كل شيء...وشاركيه الألم دون مرار، بل بحب.
هذه هي المحبة التي عدت لأُخبركم عنها...محبة تتجاوز حدود محبّتنا البشرية التي كثيراً ما تخدعنا، وتحبسنا في سجنها. إن محبة الله تُحلّق بنا، وتطير...فنرى أهدافاً أُخرى لحياتنا...وعملاً علينا إتمامه. فلمَ نسقط تحت ثقل الألم والكثيرون حولنا يريدون أن يحيوا مع المسيح...ينتظرون من يُخبرهم عنه...من يُبشّرهم به؟.
هيا لنعُدْ ونعمل في حقله...مُتّكلين عليه وقت الشدّة، كما في وقت الفرج...حاسبين كل خسارة من أجله ربح...بل وربح عظيم. أما ابننا، فلا نعرف ما هو حكم السيد. إنه عادل...ولكن رحمته قد فاقت عدله. لنتمسّك بالرجاء بأنه سيعود إلى حظيرة السيد".
تعزّت الأم بهذا الكلام، وتقوّت. وقرّرت العودة للعمل، مُسلّمة أمرها لله. أما الابنة، كانت تسمع كل شيء، وتُفكّر به في صمت.
كثّر الله عطاياه على يد يوحنا وأُسرته. وعضد الرب كنيسته، فتقوّت وتشدّدت بالروح. وتشكّلت جماعة ’الإخوة‘...التي أخذت تنقل كلمة الحياة.
ورغم ألم العائلة على ابنهم، إلاّ أن الفرح بدأ يتسرّب بهدوء إلى قلوبهم. وتحوّل بيتهم إلى مكان يقصده الكثيرون من غرباء ومحتاجين...وممّن لا مأوى لهم.
وذات مساء خرج يوحنا مع ابنته ليتمشّيا في الحقول. سألها: "كيف استطعتِ، يا ابنتي، أن تقبلي السيد المسيح إلهاً ومُخلّصاً بكل هذا الهدوء...وهذا الفرح...والحُب...ولم تتشكّكي...ولم تضعفي؟. بل ها أنك تعملين، بصمت وتواضع وصبر عجيب، في حقله. والكل يرى ذلك...فيُقبلون إلى الرب عندما يرونك تُحبّينه بكل هذه القوة...ممتلئة نشاطاً، وثقة، ورجاء. أذكرك دائماً طفلة مُحبّة...بسيطة...مُسالمة. فأخبريني ماذا جرى معك طوال تلك السنين".
فقالت الابنة: "عندما تركتنا، أحسست بحزن عميق في البداية. انقطعت عن اللعب مع رفاقي. أصبحت أجلس دائماً في غرفتي وحيدة... أُفكّر في هذه الحياة... وأتساءل لمَ تركتَنا. حسبت أني صرت يتيمة.
وبعدها بدأت أُمي تُعذّبني بكلامها. وكثيراً ما كانت تقسو عليّ. وكذلك أخي ظلمني كثيراً. وعندما أشكي لها، لم تكنْ تُصدّقني...بل تتّهمني بالكذب...وتُحمّلني ذنب ما وصل إليه حال أخي...وتقول: ’لمَ لا تهتمّين بأخيك؟...إنه أصغر منك سنّاً...وعليك مراعاته‘.
وهكذا كنت أقضي الليل بطوله باكية...أشعر بالذنب يقضّ مضجعي. ولا أملك سوى دموعي الغزيرة، أذرفها على حالنا.
وبدأت أكبر...وأرى كل ما حولي...وأسمع ما يقولون. فصرت أرفض الكثير من تصرّفاتهم. لكنهم صاروا يتهجّمون عليّ...ويتّهمونني بتُهم قاسية...وظالمة. فصمتُّ وتركتهم لشأنهم.
كان لي صديقة...كنت أحب أن أشكي لها. ولكنها فتاة فقيرة...تُعاملني وكأنني سيّدتها. وبعد أن أقنعتها أني صديقتها...وأنه عليها أن تتعامل معي ببساطة...فرحت الفتاة، وصارت تشكو لي، هي أيضاً، همّها وفقرها...فكنت أُساعدها. لكن أُمي غضبت...وكانت تتصوّرها أفضل مني...وتُقارنني بها دائماً...وتأمرني أن أهتمّ بنفسي مثلها...وأن أتصرّف كتصرّفاتها...وأن أقبل هذا، مثلها، وأرفض ذاك...حتى تعبت، وابتعدت عنها...وعُدت وحيدة تماماً.
لقد كنت أحسّ بوجودك معي دائماً. لذلك كنت أُغلق باب غرفتي...وأتحدّث معك عمّا يجري هنا...وماذا أُحب...وماذا أكره. شكوت لك مراراً سجني في هذا البيت...مع أني ابنة السيد...ولديّ كل شيء.
أما أُمي، فكانت تُطالبني دائماً بالاهتمام باللباس...والجواهر...والمظاهر. لكني لم أهوى هذه الأمور. فأنا أُحب أن أعيش بهدوء وبساطة. ولا يُسعدني أن ينظرني الناس، ويقولون: ’ما أجمل ما ترتدي هذه الفتاة!‘...بل أتمنّى أن يقولوا: ’ما أجمل قلبها!‘. رغبت أن ينظروا لروحي، وليس للباسي وما أملك. ظنّ الكثير من رفاقي أني مُتكبّرة...لذلك كنت أبتعد عنهم. ولم يستطيعوا الاقتراب مني خجلاً... وخوفاً أن أُبعدهم بكلمات قاسية. لذلك كانت وحدتي تزداد يوماً بعد يوم.
وما كان يؤلمني أكثر أن أُمي هي التي حبستني في تلك الزنزانة الضيّقة...مع أن الحياة جميلة...وأنا أُحبّها...وأُحب الناس، والشمس، والورود...فلمَ حُرمت منها؟!.
وكبرت... وصرت في سنّ الزواج. فقالت لي أُمي: ’انتبهي... ولا تسمحي لأيّ إنسان أن يتكلّم معك في هذا الأمر إن لم يكنْ ابن عائلة... وغنيّاً... ومتعلّماً... وجميل الطلعة. لكني لم أُفكّر بهذه الصفات. تمنّيت أن أرتبط بإنسان يعمل بجدّ كي نأكل خبزاً طيّباً. حلمت بشابّ مُهذّب مُسالم، قوي بصبره وعزيمته، صادق ومتواضع...يلمس قلبي...ولا يراني كجسد فقط...بل كروح تعشق الحياة. ولكن لم تتهيّأ لي فرصة للاختيار...لذلك جُرحت كثيراً. ثم أقنعت نفسي أنك لا بدّ أن تعود، وتفكّ قيودي.
وعندما صرت في أمسّ الحاجة إليك...إذ بدأ أصدقاء أخي السيّئون يُهينونني، ويحاولون الإيقاع بي...رأيتك قد عُدت، حاملاً هديّتك الرائعة لي. والآن أخبرني أنت ماذا فعلت في تلك السنين...ومن أسماك يوحنا".
أجاب الأب: "لقد سمعت صوتاً في داخلي يدعوني لزيارة قصر جميل. وكان الصوت جميلاً جداً...عذباً وهادئاً. فلم أستطع تجاهله. ووجدت نفسي أذهب معه إلى ذلك المكان. هناك رأيت السيد لأول مرة...فأحنيت رأسي احتراماً دون أن أعرفه. ثم دعاني للعشاء معه. ولكن كان عليّ عمل الكثير قبل أن يُسمح لي بالعشاء معه. قضيت ثلاث سنوات أبني قلبي من جديد...فقد كان قاسياً جداً كالصخر العتيق...متشقّقاً من كثرة الأسى والخطية، وعدم معرفة الله. فبدأت أُرتّب الحجارة، وأهيئها لاستقبال رب المجد.
لم أكنْ وحيداً...فمنذ اليوم الأول، أرسل لي السيد أخوة كي يُعلّموني كيف أتخلّص من خطاياي الكبيرة وأقلعها من جذورها...ومن بعدها الخطايا الأقلّ كبراً.
وسنة بعد أُخرى، استطعت بمعونة الله أن أُرتّب قلبي كي يُقيم فيه السيد. مرّت خلالها أوقات صعبة جداً...إذ عرفت كبر آثامي وعِظم الإهانات التي وجّهتها لله. وكان الرب يسوع يُعزّيني دائماً كلما يئست روحي...ويعدني ببزوغ فجر الأمل.
ثم ساعدني آخرون على العيش حسب تعاليم الرب...فتحوا عيوني على معانٍ جديدة...ودرّبوا روحي على اكتساب الفضائل. وبنعمة الرب، تعلّمت التواضع والصبر. لم يتركني السيد أبداً. كانت كلمة الحياة رفيقة دربي...والصليب قوة حياتي. وهكذا مرّت ثلاث سنوات أُخرى وأنا أنهل من ماء الحياة...وآكل من خبز الجياع إلى كلمته.
وبعدها نلت سرّ المعمودية...وعرفت أن محبة السيد لنا عظيمة كالبحر الواسع. وقضيت أربع سنوات أُخرى أعيش مع الإخوة في حمى الله...أذوق حلاوة المحبة...وأتمنّى أن أغرق في بحرها.
ثم التقيت السيد على مائدة العشاء...وعرفت كم هو عظيم سرّ فدائه لنا بموته على خشبة الصليب...وتحمّله كل أنواع العذابات من أجلنا. تألّمتُ جداً على خطاياي...لأني بها زدت ألمه. تألّمت من أجلكم، لأنكم لم تعرفوه. غمرني الرب بمحبّته...وأتى إليّ مُعزّياً...وباعثاً الحياة في قلبي...والقوة في عظامي. دعاني للقيامة معه من ألمي وخطاياي إلى الحياة والرجاء الأكيد فيه.
وهكذا عدت إليكم...واثقاً فيه. عدت إليكم لابساً درع الإيمان والمحبة، وخوذة هي خوذة الخلاص. وفي الطريق تعرّفت على أُناس كثيرين. بعضهم يعرفون الله...وآخرون يجهلونه. بعضهم قبِل الحياة في النور...وآخرون فضّلوا البقاء في الظلمة. والآن يا ابنتي المُحبّة، أخبريني كيف قبلتِ الرب".
أجابت: "قبلته بكل سهولة عندما عرفت أنه يُحبّني...وأعطاني حُبّه هديّة مجّانية، فأحيى بها وأُقبل إليه. رأيت كم هو جميل حتى خلق كل شيء جميلاً. رأيت أن كلمته حق...فكل ما قاله أو وعد به أتممه...فأعادنا إليه بعد أن كُنّا ضائعين لا نعرف أي طريق نسلك. فجاء هو، وأضاء لنا الطريق، وقال: ’تعالوا إليّ...أنا معكم دائماً...لن أترككم يتامى‘.
كم هي فرحتنا عظيمة...نحن الذين قبلناه...وعرفنا أنه الطريق والحق والحياة. فها نحن نؤمن بإله السلام الذي يُبدّد كل أعدائنا...ويُشتّت كل أفكارنا الهدّامة. فعندما كنّا لا نعرف ما نريد، ولا نُميّز بين الخطأ والصواب، ونقضي أيامنا نائحين على خساراتنا، ثم نحاول أن نكسب أكثر وأكثر...جاء الرب بهدوء وبساطة، وأعلن أن كل خسارة من أجله ربح...وكل شيء نتركه من أجله سيعطينا عوضاً عنه أضعافاً مُضاعفة. فإن تركنا ضعفنا وخطايانا وقسوتنا وكذبنا، ننال بدلاً منها الصدق والقوة...فكيف إذا وهبناه أيامنا الضائعة؟!...فإننا سنكسب أياماً أبدية معه.
لقد عشتُ طوال عمري أُدرك أن هناك أحدٌ وراء كل ما أراه بعيوني...وأحسست بقلبي أن ذاك الشخص الذي لا أعرفه قد اهتمّ اهتماماً بالغاً كي يُرتّب من أجلي كل ما أرى من جمال في الطبيعة، وكل ما أتذوّقه من طيّبات. ثم رأيت أنماطاً كثيرة من البشر...وأدركت أن لكل إنسان جماله الخاص في مكان ما داخله. وعرفت كم هو رائع أن نصنع بأيادينا دمية أو نسيجاً...فكم تكون عظمة ذاك الذي صنعنا نحن البشر ملايين وملايين!. ولكننا نختلف...فلكلٍّ منّا خاصّيته، ومشاعره، وأحاسيسه، ودوافعه. لذلك اقتنعت في داخلي أنه عليّ أن أكون إنسانة جيدة.
في البداية لم أعرف كيف، وبأية صورة...ولكني بدأت أرفض الكثير ممّا لم يستطع قلبي أن يشعر بفائدته...وأقبل أموراً جديدة مُهمّة لي وللآخرين. فمثلاً رفضت الكذب...لأنه يُسيء للشخص الآخر؛ إذ لا يعود يعرفني...وسيُعاملني وكأنني إنسانة أُخرى. لذلك أردت أن أكون دائماً أنا ذاتي...حتى إذا رأوني سيّئة...ثم أسعى بجهد لأُصبح جيدة، فأنال الاحترام.
وهكذا بدأت أكبر...والكثير من الضباب يتبدّد من حولي. وكان مقياسي أن أعمل بالآخرين ما أُحبّ أن يعمله الآخرون بي. وكان هناك صوت في داخلي يُوجّهني. لم أعرف ما هو، ولكنه دائماً محلّ ثقتي...يُرشدني دائماً إلى مكان أكون فيه أكثر قرباً من ذاتي.
وبدأت أرى حولي أنماطاً مختلفة من الناس. بعضهم واثق بنفسه، لدرجة أنه يظنّ
بأنه لا يرتكب أخطاء أبداً!. وهؤلاء وقعوا في مصيدة الكبرياء. فمهما كان الإنسان واثقاً بنفسه وصادقاً جداً، لا بدّ أن يرتكب أخطاء نتيجة عوامل أُخرى تتلاعب بمشاعره وبقواه الداخلية...فعليه أن يرى الخطأ، ويُصحّحه...ولا يظن أن الخطأ جريمة لا تُغتفر. وتمنّيت أن يجدوا من يُساعدهم على تصحيح أخطائهم.
ورأيت أُناساً يظنّون أنهم أضعف من أن يعيشوا الصدق...فعاشوا الحرّية حسب هواهم. وحجّتهم أنهم ضعفاء، غير قادرين على تصحيح أنفسهم. فعرفت أنهم وقعوا في مصيدة اليأس. وتمنّيت أن يكون لهم أمل في الحياة يعطيهم القوة للبدء من جديد.
ورأيت أُناساً عاشوا الحياة ببساطة، وبدون تفكير عميق. ولم تكنْ لديهم مشكلة، مهما تصرّفوا. فكانوا يُخطئون كثيراً، ويصدُقون كثيراً. وهؤلاء ظننت أيضاً بأنهم على خطأ، لأن على الإنسان التمييز بين الأبيض والأسود. فإن كانت الطبيعة تُميّز بين الألوان...فكيف لا ونحن لدينا القلب والعقل. فتمنّيت أن يأتي من يُساعدهم كي يروا جميع الألوان.
وفي النهاية...عرفت أني أُفكّر كثيراً في الخطأ والصواب. أُعاقب نفسي بقسوة شديدة على كل خطأ أرتكبه...وكأني أريد أن أُصبح كاملة. وعندما أخبرتني عن الله، وعن الحق والحُب الذي فيه، عرفت خطأي الكبير...فشكرته لأنه أرسل لي نوره من خلالك، يا أبي.
مع المسيح نرفض الخطأ حُبّاً به...ونحاول العيش بتواضع في النور، لأنه هو الذي يعطينا إياه. أما ما كنت أُفكّر به قبل أن أعرف المسيح، هو أن أعيش في النور الذي أكتشفه أنا...ولكن بكبرياء. فلم أكنْ أعرف أن الله، الذي هو النور، والذي افتقدنا، كلّه رحمة...لا يرفض الخاطئ...ولا يُطالبنا أن نكون كاملين بجهدنا الشخصي...بل هو من يملأ قلوبنا تعزية وقوة للحياة. ومن عاش معه لن يحتمل حياة الخطيئة. وبكل سهولة سيرفضها. فكل من يكون للمسيح يُقبل إليه، ويعيش حسب وصاياه...حافظاً كلامه في قلبه، ومُستتراً بستره.
فكل الأنماط السابقة من الناس الذين رأيتهم، لو قبلوا المسيح، سيعرفون أن السعادة الحقيقية هي فيه...ولن يستطيع عقل أن يكتشفها ويعيشها دون معرفة الله.
ويا ليت الذين وقعوا في مصيدة الكبرياء أن يتعلّموا التواضع الحقيقي من الرب يسوع. فعندما نتواضع يتكلّم الله بوضوح في أعماقنا. والروح القدس يحلّ فينا، فنُسارع لنخدم ونُطيع الحق...مهما كانت ظروفنا صعبة أو قاسية. فما أجمل أن نُطيع الحُب، ونقبل منه عطاياه وطرقه شاكرين.
أما الذين وقعوا في مصيدة اليأس، يا ليتهم يعرفون الرجاء الحقيقي...فيقودهم إلى السلام. الرجاء الذي أتانا من السماء بميلاد المسيح على الأرض في مذود فقير...والذي به أُعتقنا من عبودية اليأس. فها قد صار لنا مُخلّصـاً لحياتنا...به وُهبنا حياة جديدة.
أما أولئك الذين يعيشون يوماً بيوم...ظانّين أنهم أضعف من أن يُصحّحوا أخطاءهم...ويضعوا هدفاً لحياتهم...طارحين عنهم الرداء القديم، وطالبين من الرب رداءً جديداً...فيا ليتهم ينظرون المسيح كيف تقاسم الجنود ثوبه واقترعوا عليه. فلماذا، نحن من آمنّا به، لا نحاول أخذ قطعة صغيرة من ثوبه... ثوب الطهارة والنقاء، والعفّة والقداسة... لنستتر بها، فتطهر قلبنا وتصفو نوايانا؟... وعندها سوف يعود الدم النقيّ ليجري في عروقنا، ويُطالبنا أن نكون أصحّاء بقوة المسيح...نرفض الشر، ونسعى للحق.
أما أنا...فقد تعلّمت من طاعة الرب يسوع لأبيه السماوي أن أُطيعه بفرح، وأبتعد عن كل ما يشغلني عنه. تركت التفكير في الخطأ والصواب ومُحاسبة نفسي على أخطائها، وعدت إلى ذاتي. انشغلت بتنظيف قلبي، وتهيئة مكان يولد فيه الطفل يسوع. حاربت أنانيتي ومساوئي، محاولة أن أعمل بقول الكتاب المقدّس أنه عليّ أن أُطهّر نفسي في طاعة الحق بالروح للمحبة الأخوية العديمة الريـاء من قلـب طاهر بشدّة ".
فقال يوحنا لابنته: "هنيئاً لك، يا ابنتي الجميلة. فكل ما فيك جميل. عيونك أرى فيها محبة المسيح...ووجهك يُشرق بضيائه...وقلبك قد سكنه. فقد أطعتِ بمحبة وإيمان ورجاء. فإن المسيح صار لكل الذين يُطيعونه سبب خلاص أبدي . لقد فتحتِ قلبك على مصراعيه...وتركت السيد يُكلّمك، ويُعلّمك، ويُفهمك أسراراً كثيرة عجز الحكماء عن فهمها لكبرياء قلوبهم. حقاً لقد سقط آدم وحوّاء نتيجة الكبرياء، فجاء آدم الثاني متواضعاً...مُحبّاً...فحلّنا من قيود الخطيئة، وأصعدنا إلى مكانتنا السابقة. لقد علّمنا الرب يسوع التواضع. فها نحن مدعوّون لنسمع ونُطيع، ونعرف الحق...من خلال الصلاة، وسماع كلمة الرب، بإيمان، والعمل بها...والاشتياق الدائم للتعرّف عليه أكثر. فنحن عبيد الرب...فلنُطعه للبِرّ. وعندها سيُساعدنا الروح القدس لنفهم الأحداث، ونأخذ العِبر والمقاصد، ونستشف أنوار الله...فننتصر على كل ضعفاتنا. لأن مسحة القدّوس تُعلّمنا كل شيء... وهي ثابتة فينا...وهي حقّ وليست كذباً".
فقالت الفتاة: "ولكن، يا أبي...هل نستطيع أن نُطيع إن لم نُحبّ؟". فأجاب: "بدون حُب لا نستطيع أن نُطيع الرب حتى النهاية. فبالحب والتواضع نُكمل درب طاعتنا للمسيح. فالقلب إن لم يشتعل بحُب يسوع، ويسير بتواضع معه، لن يقوى على تحمّل متطلّبات الطاعة. فعندما نُطيع، علينا أن نتقبّل إرادة الله المقدّسة في حياتنا دون تذمّر. فالطاعة تستمدّ قوّتها من الحُب المضطرم...ومن الاتكال عليه، وتسليمه ذواتنا...فنكون كالإناء بين يديه، يعمل به ما يشاء.
أما المحبة فتفتح العقل وتُنيره...فنعرف كم هي عظيمة ثمار الطاعة. وتُبعد عنّا الغرور...والإدانة...وحُب الامتلاك...والشهوة. وتجعلنا نتفهّم بعمق مقاصد الثالوث الأقدس في حياتنا.
وأنت، يا ابنتي...قلبك أرض طيّبة...مزروعة محبة واتّضاعاً...لذلك قبِلتِ المسيح، وأطعت كلامه. وها هي ثمار طاعتك جعلت الكثيرين يقولون: ’انظروا كم تحبّ الرب!...انظروا كيف وهبته ذاتها والفرح يغمرها!‘. لقد علّمتِ الكثيرين، دون كلام، أن طاعة المسيح وبحُب تجعل من النفس البشرية حقلاً يُثمر ثلاثين وستّين ومئة".
فرحت الابنة بهذا الكلام جداً. ليس لأن والدها قد مدح وعظّم حُبّها للسيد، بل لأنه يشعر بها، ويُشاركها محبّتها للرب يسوع. فما أحوجنا إلى صديق نحكي له عن شخص حبيب...فكم بالأحرى إن كان هذا الحبيب هو فادينا وشهوة نفوسنا!. فكم من إنسان قد وهبه العمر!...وكم من بيت قد تأسّس على اسمه القدّوس!...وكم من شهيد مات للشهادة له!. فإن صمت لسان البشر، فإن الحجارة ستصرخ بأعلى الصوت: ’المجد لك، يا رب...المجد لك‘.
 

عودة        الرئيسية