الفصل الثاني عشر 
 


وصل يوحنا إلى مقربة من بيته. فرأى بعض الشبّان يلهون معاً. نظر إلى أحدهم، وأدرك أنه ابنه البكر. لكن الشاب تفرّس فيه بحزن وغضب...وركض بعيداً قبل أن يُناديه أبوه ليحتضنه بعد كل تلك السنين.
التوى قلب يوحنا ألماً. فبعد كل اشتياقه، يُقابَل بهذا الجفاء!. وناجى الرب: "هذا ما أستحقّه، يا رب، نتيجة إهمالي وقسوتي. آه لو أعطاني فرصة كي أُعبّر له عن حُبي وندامتي الشديدة على الأسلوب المؤلم الذي ربّيتهم به...لكن، ألم يفتقدني ولو للحظة؛ فيتمنّى عودتي؟!.
كم اعتنيتَ به حتى أصبح شابّاً، طويل القامة، مُشعّ العينين. فقد رجف قلبي، وتمنّيت أن أُناديه: ’ما أحلاك يا ابني...وما أجمل طلعتك!‘. فلا تبتعد عني، يا إلهي...وشدّد خطواتي".
وكان رفاق ابنه يرمقونه مستغربين، وتساءلوا: "ماذا حدث لصديقنا حتى تركنا دون كلمة؟...ومن هذا الرجل الغريب؟". ألقى يوحنا التحيّة عليهم، قائلاً: "السلام لكم، أيها الشباب". فردّوا بأسلوب غير مُهذّب. فأدرك أن سلوكهم غير مريح، وتابع طريقه إلى البيت.
وقبل وصوله، ركضت باتّجاهه صبيّة صغيرة، والدموع تنهمر من عينيها. لقد كانت طفلته المدلّلة، التي أسرعت إليه وارتمت في حضنه. وبكت بكاءً شديداً، قائلة: "كيف تركتنا، يا أبي؟...ألا تعرف أننا نحبّك؟". أجاب: "كنت معكم بقلبي وروحي. وها أنا عُدت إليكم، لأني أحببتكم...وأحبّكم الآن أكثر بكثير".
وعندما وصل إلى البيت، رأى زوجته مُتجهّمة الوجه...لا تبكي ولا تضحك، تنظر إليه بقسوة...مرة نظرة خوف، وأُخرى نظرة غضب. ألقى عليها السلام، فلم تُجبْ. حاول أن يُكلّمها، لكنها تركته وذهبت إلى غرفتها. ثم جاء كثير من الخدم، وأرادوا أن يغسلوا رِجليه ويُقدّموا له طعاماً...لكنه منعهم، قائلاً: "عودوا إلى أماكنكم واستريحوا...وغداً سنتحدّث". استغرب الخدم من أسلوب سيّدهم. لكنهم أطاعوه ومضوا.
جلست الفتاة بقرب والدها؛ الذي سألها عن أُمها وأخيها، وعن كل ما جرى لهم، فقالت: "ماذا تريد أن تعرف، يا أبي؟. أخي...هو شابّ الآن. لا أحد يستطيع أن يُوجّه إليه انتقاداً أو أمراً، بل يتصرّف بحريّة مُطلقة. صار الآمر الناهي...يبيع هذا، ويشتري ذاك...ويصرف الأموال الكثيرة على أصحابه الذين هم غير أهل للثقة. هو دائم الضحك خارج البيت، لكنه عابس وغاضب في داخله...يثور لأي أمر، مهما كان صغيراً.
وأُمي...هي هناك. تقضي وقتها في عتاب دائم مع الخدم، وما يفعلونه...فتُشعرهم بالتقصير...وأنّ عليهم العمل أكثر، وإلا ستطردهم.
وفي المساء، تجتمع مع بعض النساء اللواتي يكشفنَ أسرار بيوت كثيرة. وهكذا تبدأ المشاكل مع الناس المحيطين بنا. وعندما أقول لها: ’لمَ لا نهتمّ بأمورنا وندع الآخرين يهتمّون بشؤونهم؟‘...تُوبّخني وتتّهمني بالغباء والجبن...وتقول: ’أنا السيدة هنا...عليّ أن أعرف كل شيء، وأن أحكم في كل شيء. أنا أُقرّر...وأنا أجمع وأُفرّق...كي تسير الأمور مثلما أريد. أم هل تريدين، أنتِ أيتها الطفلة، أن تحكمي البيت كما كان أبوكِ؟‘. ثم تبدأ بتعداد مساوئك، وما فعلتَه في السنين الماضية، وكم ظلمتها وظلمتَ كثيرين. ولا تسكت إلا عندما تنهار باكية...وأنا كذلك. لذلك فضّلت السكوت...أُراقب الجميع بقلب حزين...وأناديك: ’أين أنت يا أبي؟‘".
احتضن يوحنا ابنته، ومسح دموعها، قائلاً: "لقد أتيت، فلا تخافي بعد اليوم...لأني جلبت لك معي هديّة كبيرة ورائعة الجمال...ستمسح دموعكِ...وتُداوي قلبك الصغير...وتملأ عيونك ببريق الأمل". فتشوّقت الفتاة لتعرف ما هي الهدية. لكنه قال لها: "مساءً سوف أُخبرك عنها. الآن...سأذهب لوالدتك لأرى حالها".
كانت زوجته تبكي. فسألها عمّا بها، وكيف مرّت عليها السنين. لكنها لم تُجب...وأصرّت على الصمت. فقال يوحنا في نفسه: ’لقد تكلّمت كثيراً عن القوة التي تُعطيها محبة الله، وعن الجرأة. والآن حان الوقت كي أفعل بحسب كلامي‘. وصلّى، قائلاً: ’أيها السيّد...لا ترضى لهذا البيت أن ينقسم على ذاته...بل اجمعْ أفراده بروح محبّتك‘.
وبدأ يُحدّث زوجته: "أعرف أني كنت ظالماً وقاسياً...كنت زوجاً غير صالح...لم أُراعِكِ... ولم أحترمكِ... ولم أحرص على مشاعرك. فكّرت دائماً في نفسي... وملذّاتي... وماذا أريد أنا. أما أنتِ، فكان عليك الخدمة والطاعة والسكوت. أهملت أولادي... ولم أرعَهم معك... ولم أكنْ لهم مثالاً صالحاً. لكني كنت دائماً أنظرك...وأراكِ أُماً صالحة...حنونة مُخلصة.
لم أعدْ، بعد هذه السنين، كي أكون سيّدك من جديد. لم آتِ لأظلمك مرة ثانية...ولا لكي أحبسك في زنزانة الوحدة القاتلة...بل عُدت كي أهتمّ بأولادي...وأحميهم من طرق الشر. جئت لأرعاك وأُدافع عنك...وأُبعدك عن حياة ظاهرية تعتمد على حُب الكلام، وحُب الفضول والرئاسة. عُدت لأُذكّرك بنفسك...كيف كنتِ. وأنت تستحقين أن تكوني أُماً حقيقية، تُراقب نفسها، وتصرّفاتها...لأن أولادها يرقبونها.
وعُدت لما هو أهم...وهو الذي أخذني منكم سنيناً طويلة...فنزع عني ثوبي العتيق، وألبسني ثوباً جديداً...وهو الآن معي...يشدّ دائماً على يديّ...كي أعيش بمحبّته...وأكون حُرّاً في اختياراتي. وكل ما هو مبنيّ عليه، يكون خيراً لنفسي.
جئت أُبشّرك أني عرفت الإله الحقيقي...هو الذي دعاني من وسط هذه الأموال إلى مكان عشت فيه مع إخوة لي...كانوا معي في ضيقي...احتملوني وأحبّوني...وشجّعوني كي أتغيّر. وعندما حان الوقت كي أعود إليكم، عدت وكلّي أمل أن تقبلوني من جديد...ليس لاستحقاقي، بل لأني أتيت أحمل لكم البُشرى السارّة".
فقالت زوجته: "وهل يستطيع إلهك أن يُنسيني عذابي... وتعبي معك... وظُلمك... وقسوتك؟. هل يقدر أن يُعيد لي ثقتي بنفسي؟. فهل تظن أنني أحب قضاء النهار مشغولة في أمور لا طائل منها...أغضب من الأول...وأُعاقب الثاني...وأفشي سرّ الثالث؟. لمَ تظن أني صرت قاسية الطبع...إن كنتُ لطيفة وحنونة ومُخلصة، كما قلتَ؟. لقد علّمتني أنت أن أكون سيّدة عليهم...لا أرحمهم...ولا أُبالي بآمالهم...ولا أخاف نقمتهم عليّ.
وفي المساء، أُسلّي نفسي بسماع تلك الأخبار...وما فعل الناس...كي أنسى همّي، وأنشغل عن ذاتي...فلا أُفكّر بما أعمل أنا...أو ماذا عليّ أن أُصحّح وأغيّر. لم أكنْ سيّئة، لكنك حوّلتني لإنسانة أنانية. والآن تُخبرني عن الله الخالق!؟. أتُراه يريد أن يُسامحني؟...فليُسامحْك أولاً...فما فعلتَه كان أبشع".
أخذ يوحنا يبكي. وبعد صمت، استأنفت كلامها: "لمَ تبكي الآن؟...ما فائدة البكاء؟". استجمع يوحنا قواه، وقال: "أبكي على خطاياي السابقة. الآن أدركت كم كانت كبيرة. أبكي على نفسي...على كل إنسان ظلمته أو تسبّبت بأذيّته. فليُسامحني الرب. إن الدموع تغسل النفس...والرب يقبل دموع الخاطئ...ويغفر له...ويملأ قلبه تعزيةً من جديد.
أُدرك أنه صعب عليك مسامحتي من أجل شخصي. لذلك حدّثتك عن الله الخالق...الذي به يتصالح الجميع. إن كلمة الله تجسدّ ليُصالحنا مع الآب...فلا نُحرم من ملكوته الأبدي...حيث نحيا بلا خوف، ولا ألم، ولا موت".
وعندما اجتمعوا معاً في المساء، أراد أن يُخبرهم عن إله المحبة والمصالحة. فقال يوحنا لأسرته: "لقد عشنا حياة كلها حزن وألم. والآن لا يجب أن نُكمل بهذا الحزن، لأن الرب يريدنا فرحين...نقوم من ألمنا...ونثق به...ونُسلّمه أحبّاءَنا وذواتنا...وآمالنا...وكل ما نملك. وكما حوّل الماء خمراً، لنطلب منه من قلبٍ يرغب بالتوبة، أن يُحوّل همومنا إلى أفراح...وأن يملأ نقصان الحُب الذي في بيتنا...وأن يمدّ لنا يده لنتصالح معه ومع بعضنا".
فقالت زوجته: "إنك تُحدّثنا عن إلهك الجديد وكأنّنا نعرفه. ولكننا لم نسمع به قط. فعدت حاملاً معك هذا الكلام الذي لسنا نفهمه...فهلاّ فسّرتَ لنا؟".
أجاب: "إن هذا صحيح. أتحدّث معكم وكأنكم تعرفون المسيح...لأني حملتكم في قلبي دائماً...وأخبرتكم بكل ما عرفته...وما اكتشفته...وما رأيته. لقد آمنت بالمسيح مُخلّصاً قد فداني وأقامني من موت الخطيئة، لأحيى معه حياة المحبة التي عدت لأعيشها معكم. أحسّ في قلبي أنّكم تفهمونني...فقد قضيت سنيناً طويلة أتأمّل في فداء الرب يسوع لنا. والآن تتزاحم الأفكار في رأسي...فكيف أُخبركم عن إله تجسّد...وعاش بيننا...وحمل أثقالنا!؟. وبما أصف محبة المسيح التي خلقت...وجدّدت...وأقامت موتى...ووهبت الحياة؟!.
سأُخبركم عن إنسان عاش في غابة مجهولة. وحاول طوال عمره أن يكتشف أسرارها...كهوفها وخباياها...وكل ما يختبئ فيها. وفي يوم، وجد بئراً عتيقاً. فقال لنفسه: ’لا حاجة لي أن أتذوّق ماءه...فأنا عندي نبع ماء صافٍ...أشرب منه دائماً...وهو طيّب المذاق‘. وفي اليوم التالي، كرّر الكلام ذاته.
ولكن يوماً بعد يوم، بدأ يقول: ’ربما كان هذا الماء أطيب...وربما هو صحّـي أكثر‘.
وبعد أيام وأيام، قال أخيراً لنفسه: ’ربما هو ماء الحياة. فهذا البئـر قديم جداً...ربما كان منذ بداية الخليقة‘. فربط دلواً بحبل، وأتى ببعض الماء. فبدا صافياً...رقراقاً...عذباً. وعندما تذوّقه، وإذ به طيّب جداً. وبدون أن يشعر، ربط نفسه بالحبل، وأراد أن ينزل إلى عمق البئر...ظانّاً أنه كلما نزل إلى عمقه أكثر ، حلي الماء وصار ألذّ.
وعندما وصل إلى القعر، اكتشف أنه في مصيدة كبيرة...فقد أحاطت به الحشرات اللاّذعة والحيّات السامّة. هلع ممّا رأى، ولكن من الصعب عليه أن يعود إلى الأعلى. ومن كثرة خوفه، أخذ يتحرّك بسرعة؛ محاولاً إنقاذ نفسه من الموت المحتّم. وإذ بدأ الحبل يهترئ، صار على وشك السقوط. فصرخ طالباً العون...ولكن مِمّن؟: من أي شخص يستطيع مساعدته...من أي شخص في قلبه حُب ورحمة وشجاعة، ويريد إنقاذه. ولم يكنْ هناك أحد...فالغابة مهجورة. وصار يُتمتم: ’كيف انخدعت... أنا الذي أعرف كل أسرار الغابة... بهذا البئر؟... كيف؟... ومن سيُنقذني؟‘.
وفي النهاية أدرك أنه لا يوجد إلا الله...الذي خلق الغابة وكل ما فيها...فهو يراه ويعرف محنته. فطلب العون من الرب...الذي لم يُفكّر يوماً بوجوده...ولا عرف صفاته...ولا جوهره. ولكنه أحس أنه لا بد أنه يستجيب لطلبه ويُعينه. فما دام الإنسان يُساعد أخاه الإنسان، فكيف خالق الإنسان والطبيعة؟. لا بدّ أنه أكبر من أي شيء...ورغبته في الإنقاذ كبيرة.
وفجأة...مدّ له أحدٌ حبلاً جديداً...قوياً...لينتشله من بئر الموت إلى الحياة. كان ذلك الحبل حبل الخلاص...الذي من خلاله أيقن الرجل أن الله موجود حقاً...وأنه يرأف لحالنا...ولا يتركنا. بل جاء بنفسه ليُنقذه...إذ أنه لا يريد أن يموت إنسان في بئر الخطيئة...بل أن نحيا كلّنا.
إن المسيح الذي أُخبركم عنه هو حبل الخلاص الذي انتشلنا وصالحنـا مع أبيـه السماوي. بالمسيح تمّ الخلاص...بل إنه هو خلاص أرواحنا. فهو الإله الذي أحبّنا محبة لا نعرف لها حدوداً...أو عمقاً...ولا نُدرك مدى حلاوتها وشفافيتها...ولكننا نعرف أنها عظيمة.
عاش المسيح معنا...واختبر آلامنا...ثم رُفض من كثيرين...وصُلب على خشبة...وفارق الحياة...بعد أن سامح الكل...وطلب من الآب السماوي أن لا يُقيم خطيئة لصالبيه، بل أن يغفر لهم. وبعد ثلاثة أيام قام من الموت...وصعد إلى الآب السماوي. وها نحن ننتظر مجيئه الثاني الذي سيكون بمجد عظيم. فمن يختاره، يرث معه الحياة الأبدية بفرح. ومن يرفضه، يبقى في الألم والضيق.
لذلك، أحبّائي، اقبلوني بينكم. قد جئت لأُصالحكم مع نفوسكم...ومع الله... بالمسيح. فاتركوه يفتح عيونكم، واقبلوا خلاصه...فهو قد أتى من أجلنا كي لا نموت بلدغات الخطايا والشهوات التي تُشبه الأفاعي...بل لنطلب منه العون؛ فيمدّ لنا حبل الرجاء والإيمان...مُتمسّكين به...واثقين أنه يعطينا الحياة".
وعندها نظر يوحنا إلى زوجته، وإذ بها تبكي بحرقة. أما ابنته، فكانت سعيدة. لكن ابنه نظر إليه بغضب، وتركهم ومضى.
جلست ابنته بقربه، وقالت: "كم هو عظيم المسيح يسوع، يا أبي! أتمنّى رؤيته...أو لمسه...أو الكلام معه". فقال يوحنا مبتسماً: "إن المسيح هو الهديّة الثمينة التي عُدت بها لكِ. خبّئيها في قلبك. وهي ستكشف لك أموراً كثيرة".
اقترب من زوجته، محاولاً التخفيف عنها. لكنها رفضت، قائلة: "عندما أخبرني ابننا أنك عدت، تمنّيت أن أركض وأستقبلك؛ كما فعلت ابنتنا. لكني لم أستطع. وقفت أمور كثيرة بيني وبينك...ومنعتني من مصالحتك. وقف الماضي القاسي، والحاضر المؤلم...وقفت رغبتي في أن أكون حُرّة من قيودك. وقلت لنفسي: ’لماذا عاد؟... ليسجنني في قصر كبريائه من جديد... ويمنعني من الحياة بحرّيـة... ومـن التفكير وأخذ القرار؟‘.
وأخيراً وقفت الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتُها فترة غيابك. قد عرفت أنك ستؤنّبني، وسوف تتّهمني بالغباء...والجهل...وعدم القدرة على تحمّل المسؤولية.
وكانت الهوّة الأساسية التي لم أستطع أن أتخطّاها وأعبر إليك، هي الحال السيّئة التي وصل إليها ولدنا. فقد أدركتُ كم أهملتُه، ولم أُعطِه من حُبّي ووقتي ما فيه الكفاية...حتى انقاد وراء مجموعة من الشُبّان الذين ضاعوا وأضاعوه.
لهذا بكيت وبكيت. وعندما بدأت الحديث عن الحياة الجديدة مع الله...الذي تعرّفتَ عليه...وقبلتَه سيّداً لحياتك...ومُصحّحاً لطرقك، عرفتُ أنك اخترتَ الصواب. لأن اختيارك جدّدك وغيّرك. فها أنا أسمع نبرة جديدة في كلامك. أين هو ذاك الأسلوب الحادّ والجارح؟... أين قلّة صبرك وعدم أناتك؟... أين ضجرك وسخطك؟. كلها قد غابت. وعُدتَ طويل البال... شفوقاً رحيماً... هادئاً فرحاً... تُشعّ من وجهك الحياة.
هذا ما رأيتُه. فأدركتُ أني أضعت أيامي في أمور لا جدوى منها...أتعبتْني وأنهكتْ قواي. أما أنت فقد قضيتها بما فيه خيرك، وأتيت لتُشاركنا هذا الخير وهذا الحُب. هذا يعني أنك أحببتنا رغم كل شيء، واشتقت لنا، وافتقدتنا.
في دموعك لمست حرقتك على حالنا السيّئ الذي وصلنا إليه...وتريد أن تُعيد إلينا البسمة، وثقة في الحياة لم نختبرها. تريدنا أن نصل لشطّ الأمان، فنثق بالله ونعطيه قلوبنا. فماذا تريدني أن أقول: اذهبْ واتركنا لألمنا...أم ابقَ معنا فتُكمل معنا مشوار الحياة الصعب؟".
قال يوحنا: "لا تقلقي. يوجد لنا مُعين...هو الله الذي لن يتركنا أبداً. فلنضع عليـه رجاءنا. الآن عرفت كم أنت عظيمة وجوهرك نبيل. إنك حقاً أُم مُخلصة. فرغـم
كل ما فعلتُ، تقبلينني بينكم، مع أنك لم تعرفي بعد أين كنتُ طوال تلك السنين.
دعاني السيد، فذهبت إليه. ولم أستطع ترك ذلك المكان...لأنه كالمـاء الصافـي العذب...وأنا كنت عطشاناً جداً، وظمئي عميق. فانتظرت حتى ارتوى قلبي...مع أنه لن يرتوي كاملاً...حتى نلتقي بالسيد مرة ثانية...ونعيش معه إلى الأبد. عُدت وأنا أحمل هذا الماء الصافي...لأني أعرف عطشكم...ومدى ظمأ قلوبكم.
لم تستطيعي البدء بالمصالحة، لأنها تحتاج لجرأة وقوة وحُب كبير. وأنا استمدّيت هذا من المسيح الذي بادر وأتى ليُصالحنا مع الله. وهو أعطاني القوة لأعمل وأُنفّذ وصاياه...وغمر قلبي بالحُب عندما رأيته على الصليب...يتحمّل الآلام والإهانات...ويموت حُباً بي.
المصالحة هي الحلّ الوحيد الذي يضمن لنا الحياة بسلام وهدوء...وبها ننتصر على كل الخلافات التي هدمت الكثير من البيوت...بها نتحمّل المسؤولية، ونغدو أكثر شفافية تجاه بعضنا وتجاه أولادنا. مهما كان الطرفان المُتخاصمان: زوجَين...صديقَين...أخوَين...جارَين...زُملاء عمل...فإن المصالحة تضمن لهم حياة أبسط وأسهل...لا تُشوّشها الهموم والمشاكل...وتُخفّف العبء الكبير الذي نحمله نتيجة تأنيب الضمير أو الإحساس بالظلم. فما أجمل أن يبدأ أحد الطرفَين بالخطوة الأولى مادّاً يد المصالحة!...بذلك يترفّع فوق المشكلة التي تسبّبت بالخصومة...وتُغلَق أبواب الإدانة...وأحياناً يُلجَم اللسان فلا ينطق بكلمات الغضب والشتيمة والإهانة...وتركن مشاكل كبيرة ربما تكون عاقبتها وخيمة.
هذا إن كان الصلح نتيجة الإحساس الإنساني بأنه علينا أن نكون ودودين طيّبين...فكيف إذا صالحنا على أساس الرب الذي جاء ليصالحنا مع ذاته ويُنقذنا من عالم الخطيئة؟. لقد جاء البِرّ الحقيقي إلينا، فلننظر إلى ما في قلوبنا من مكر وخديعة وظلم. وكيف نستطيع أن نخاصم هذا، ونرذل ذاك، والمسيح قد أتى إلينا؟. لنُسارعْ إليه، ونمدّ يدنا، ونبني معه علاقة جديدة متينة...مبنيّة على المحبة أولاً. فالزوجان يصبحان واحداً بالرب يسوع...والصديقان وفيَّين به إلى الأبد...والأَخوان روحاً واحدة تجمعهما على العمل والحياة بسلام وهدوء. فكم من المشاكل الكبيرة خمدت نارها عندما أُطفئت بمحبة الرب!...كم من المخاطر أُنقذ أصحابُها منها عندما وجدوا إنساناً قريباً منهم جاء ليمدّ لهم يد العون باسم السيد المسيح!.
لنتصالح الآن...ولندعْ الرب يسكن فينا...ويُهدّئ كل الأفكار والظنون...ويغسل أخطاءنا بعظيم رحمته.
تعالي الآن...نبني بيتاً جديداً...ليس على المحبة الزوجية فقط، بل على محبة أعظم: محبّة الله الخالق. تعالي نكون حكماء...ودعاء...نحكم في كل أمورنا على أساس كلمته الحيّة...نتصالح مع الجميع...نمدّ يدنا للمحتاج...نسقي العطشان ماءً...نؤوي الغريب. لأنه إن فعلنا هذا بأي إنسان، فكأننا فعلناه بالرب.
انظري كم حولنا فقراء ومُتألّمين...كلهم يحتاجون الرب ليُقوّي ضعفهم...ويُشدّد عزيمتهم. تعالي معي نُخبرهم عنه...فإن حقل الرب يحتاج لفعلة كثيرين...كلٌّ بما يملك من مواهب. حقل الرب يحتاج لصاحب الإيمان البسيط والهادئ...وأيضاً لمن احترق حُبّاً بالمسيح، وصار كشعلة نار لا تخمد...يحتاج لمن يُعزّي بكلمة طيّبة...ولمن يُداوي...ولمن يفعل العجائب باسمه. كلنا لنا دور في حقله الواسع. فلمَ نقضي أيّامنا في كلام لا طائل منه، وحُبّ الفضول، ومُراقبة الغير!.
تعالي نهتمّ أولاً بخلاص أنفسنا...ثم ننطلق إلى الآخرين لنُخبرهم عمّا فعله الرب فينا...ومعنا. لقد أخبرتك عن الماء الصافي الذي وجدته هناك. وكلما شربت منه، ازداد ظمأي إليه. وها قد عُدت بجزء منه كي تتذوّقوه. ولكن إن آمنتم، يكون لديكم الملء...الذي هـو السيّـد، له المجـد...ملء الحيـاة...ينبوع المـاء الذي لا ينضب...فرح الخليقة...شهوة النفوس. والآن...هل ستقبلين المسيح ابن الله مُخلّصـاً وفادياً ومُعطي الحياة؟".
نظرت زوجته إليه مليّاً، وقالت: "قد دعاني السيد مرّات كثيرة عندما كنتَ هناك، ولكني رفضتُه. كل مرة كنت أُحسّه في أعماقي يُناديني: ’لمَ أنتِ منشغلة في أمور كثيرة، وأما الحاجة إلى واحد؟...لمَ قسيَ قلبك؟‘. لم أكنْ أعرف من ذاك الذي يُكلّمني، لكني أدركت أن لديه المعاني الرائعة...والقيم الرفيعة...والأهداف السامية. فهو أرادني أن أبتعد عن حياة المظاهر. لكني خفت من الخسارة. فأنا أحببت أن أكون السيدة...والجميع يركض لخدمتي، ويُلبّي أوامري. لذلك حاولت إسكات ذلك الصوت العجيب في داخلي.
ومرة حلمت أني رأيت إنساناً جميل الطلعة جداً، وكأنه ملك...ينظر إليّ. وكنت أنت واقفاً مع كثيرين عن يمينه. وعرفت من عينيه أنه يريدني أن آتي إليه أيضاً. لكني عُدت إلى الوراء أكثر وأكثر. وبعد خطوات كثيرة، سقطت على الأرض، إذ ارتطمت رجلي بحجر. فصرخت أُناديك...ودخل الخوف إلى قلبي...وشعرت كأني صرت بعيدة عنكم...وكأن عالمي انفصل عن عالمكم. وبعدها رأيت ابني مسجوناً في قفص...يتألّم ويبكي...ويصرخ مُنادياً: ’لمَ تركتموني، يا أُمي ويا أبي؟‘. ثم أخذ القفص يضيق عليه أكثر وأكثر...فازداد خوفي...وبدأت أبكيه بحرقة كبيرة. وفجأة...رأيتك أتيتَ إلينا...ولكنك لستَ خائفاً مثلنا...بل مبتسماً وهادئاً. وكأنك معنا بجسدك...لكن روحك ما زالت هناك. ثم مددت يدك وأقمتني...وسرت معي إلى القفص كي نفتحه. لكني لم أستطع. وبعد محاولات عدّة، لم تستطع أنت أيضاً. وقلت لي: ’عليه أن يفتحه هو من الداخل‘.
وعندما استيقظت، أيقنت أن الولد يسير في طريق خاطئة...وعليه أن يُصلح بنفسه طريقه؛ وإلا فلن نستطيع مساعدته. وأدركت أيضاً أنك ستعود إلينا.
والآن بعد أن أخبرتني عن النور، لا أستطيع أن أُغلق عيوني وأصمّ آذاني أكثر، بل أريد أن أفتح قلبي لذلك الصوت العجيب...كي يُعلّمني كيف أُصلح ذاتي... فأتشبّه به. سأنظره دائماً...وأدعه يكون هو غايتي وهدفي".
فرح يوحنا جداً. فقد قبِلت زوجته المسيح، وأرادت الحياة في حِماه. الآن صار له بيت جديد مبنيّاً على صخرة حياتنا: المسيح.


 

عودة        الرئيسية