الفصل الحادي عشر 
 


ها هو يوحنا يطأ بقدميه أرضه بعد غيابٍ دام لسنوات كثيرة. نظر إلى كل ما حوله، وسبّح الرب قائلاً: "كم أنت عظيم، أيها الخالق!...كم هي جميلة وغنيّة هذه الأرض!. لم أرها يوماً بهذه الروعة".
ثم وجّه حديثه إلى العائلة التي برفقته، قائلاً: "انظروا كم أحبّنا الله فمتّعنا بهذا الجمال!. لكن الكثير من البشر لا يرون سحر الطبيعة بسبب الحزن والألم، أو الارتباك بهموم الدنيا، أو القسوة. أما القلب الذي يسكنه الله، لا بدّ أن يسبّحه دائماً على كل شيء".
ومشوا مسافة ليست بقليلة، إلى أن وصلوا إلى كرمٍ، فدخلوه. نظر يوحنا وإذا بالكرم صار كبيراً ومُنظّماً. وقاطع تأمّله وصول الكرّام، الذي حيّاهم: "مرحباً بكم. لا بدّ أنكم مسافرون أتيتم مع البحر. هل ترغبون بقليل من الراحة؟. هلمّوا معي إلى البيت".
فخاطبه يوحنا: "بارك الله بك...لأنك كنت أميناً على هذا الكرم. وقد أبديت له عناية كبيرة". أجاب الرجل: "هل أعرفك؟...إن صوتك ليس غريباً عني". ضحك يوحنا، وقال: "كيف حال ابنك الصغير؟...هل ما زال شقيّاً يتسلّق الأشجار؟". وحينها عرفه الكرّام، وركض إليه يريد تقبيل يديه. لكن يوحنا احتضنه بحرارة.
أخبره الكرّام بكل ما جرى خلال تلك السنين...وكيف أن بعض عبيده كانوا مخلصين؛ فاهتمّوا بأمواله...ولا يزالون ينتظرون عودته...وأن بعضهم أهمل الحقول، وتركوها بدون عناية. والبعض الآخر امتلكوا لأنفسهم ما كان بين أياديهم من أموال وأراض وحيوانات. وقال: "الآن سيعلمون بعودتك...وسوف يندمـون،
لأنك ستطردهم وتُعاقبهم...وسيخزون لأفعالهم القبيحة".
قال يوحنا: "لا...لن أطردهم. لقد عدت كي أُشاركهم ما أعطاني إياه الله". فاندهش الرجل، وأدرك أن سيّده قد تغيّر...بل أن ملامحه تغيّرت أيضاً، فصار هادئاً. في وجهه سكينة وفرح غريب...ويتصرّف بتواضع، وبطريقة أُخرى؛ وكأنهم أصدقاء أو إخوة وليس كخادم وسيّد. فقد رفض أن يغسل له رجليه ويخدمه كما كان يفعل في السابق، وسارع ليسأل عن أخباره، وكيف مرّت عليهم السنين.
فقاطع يوحنا دهشته: "لا تستغرب، يا صديقي. أنا لست سيّدك بعد اليوم...بل إن اسمي الجديد هو ’يوحنا‘. وها أنا أهب هذا الكرم الذي عملتَ به بأمانة لك ولكل من ساعدك...تتقاسمون خيراته...وتعملون فيه معاً. حتى أرضه سأُقسّمها عليكم بالتساوي. ولكن لي رجاء عندك أن تقبل هذه الأسرة عندكم، وتُعطوها جزءً من هذا الكرم، وتبنون لهم بيتاً صغيراً يعيشون فيه ويعملون معكم. كونوا لهم أصدقاء طيّبين.
هذا ما عُدت لأجله. ولكن الأهم أني عدت لأخبركم عن المُخلّص الذي أتى ليُشركنا معه في حياة جديدة. أنا كنت بعيداً عنه، لا أعرف عِظم رحمته...لكن روحي عطشت لنبع ماء حيّ...إذا شربتْ منه، لا تعطش ثانية. لقد احتجت لكلمة تُجدّدني فتخلق مني إنساناً آخر؛ يخلع الثوب العتيق الذي علقت به كل خطاياي وآثامي التي أرادتني أن أمشي وراءها وأشرب من ماء لذّاتها. لكن قلبي بقي ظمآناً؛ يبحث في كل شيء عمّا يجعل لوجودي قيمة...ولحياتي معنى.
تمنّيت أن يكون لي نجم أمشي وراءه في الليل؛ فيدلّني على الطريق...حلمت براعٍ لا يتركني إذا تهت في طريق وعرة، بل يمضي ورائي ويُعيدني إليه، لأنه يُحبّني. كل ما فكّرت به...بل أكثر من ذلك أضعافاً وأضعاف، ما لا أستطيع وصفه ولا أن أضعه في كلمات...قد منحني إياه الرب يسوع...الذي جاء إليّ باختياره، ودعاني إليه. قبلتُ الدعوة...مع أني لم أكنْ أعرف ملامحه جيداً...لكنه أعطاني تعزية كبيرة...حُبّاً عظيماً...فرحاً جديداً...وقلباً يخفق بالحرية الحقيقية.
صرت عنده كالطفل المدلّل الذي يسأل أباه، فيستجيب...صار لي أخاً حميماً، يُرشدني ويُنبّهني ويُقوّيني...أنا من فزت بكل هذا. ولكن عند قدميه، أعود فقيراً؛ أطلب منه شعاع محبة يغمرني...ورداء يُدفئني...وخبزاً يُحييني. إن المُخلّص، الذي عُدت لأُبشّركم به، هو الله نفسه...أتى إلينا لينزع عنّا ذاك الرداء الذي أسميتُه بالعتيق...فإن السنين قد أكلتْ منه الكثير، وشوّهتْه. أكلتْ طيبة قلوبنا...وصدق نوايانا...ورهافة مشاعرنا. وجعلتْنا قُساة لا نرحم حتى المُقرّبين إلينا.
هكذا كنت أنا. ولكنكم أفضل حال منّي؛ إذ أنكم لم تقترفوا ذنوباً كالتي اقترفتها...ولم تتجبّروا...ولم تهدموا قلوباً. ولكن المسيح جاء من أجلنا جميعاً...للأسوأ مني وللأفضل...ليُلبسنا ثوباً جديداً...رداءً من المحبة يستر كل ضعفاتنا وسقطاتنا، ويساعدنا على النهوض ثانية. هذا الثوب الجديد لا يصحّ أن نضع عليه رقعة من ذاك الثوب العتيق، لأنها تأخذ من الملء...بل علينا أن نحافظ عليه جميلاً وجديداً...بإيماننا...بأعمالنا...وبصلواتنا. والأهم أن الرب الذي خلق...والذي جدّد...والذي افتقد...هو معنا، يحافظ علينا...لأنه يريدنا لنفسه كنيسة مقدّسة لا عيب فيها.
إن المخلّص الذي أتانا اختبر كل أوجاعنا...آلامنا...مشاعرنا. فكيف لا وهو جابلنا؟!. فقد عاشها...وانتصر على الخطيئة بكل أنواعها...وأخيراً عُلّق على خشبة...ومات...وقام في اليوم الثالث منتصراً...فمنحنا قيامة جديدة...قيامة تتجدّد في كل يوم".
وبعد أن بشّرهم، قبِل بعضهم الربَ، ورفضه الآخرون. أما المرأة وأولادها فأقاموا عند الكرّام الأمين...الذي قبِل الكلمة بفرح، وآمن بعمق. ثم ودّعهم يوحنا، قائلاً: "إن الرب يرى الجميع، ويرى كل الأعمال...ويعرف الذي يطلبه من كل قلبه، والذي لا يريده...يعرف من سيقبله، ومن سيرفضه...لكنه عادل، يدعو الجميع تاركاً لهم حرّية الاختيار. ومن كان أميناً على القليل واختار النصيب الصالح، يدخل إلى فرح الرب. أما الذي يرفضه ولم يكن أميناً، اختار أن يبقى خارجاً".
وقال للمرأة العمياء: "الآن صار دورك كي تُتمّمي نقل البشارة إليهم بقلبك المفتوح الذي رأى النور وآمن به".
ثم تابع سيره نحو بيته. وفي الطريق، شاهد فتاة شابّة في مُقتبل العمر، منحها الرب جمالاً فريداً، مُتّكئة على صخرة تبكي. فقال لها: "سلام يا ابنتي". نظرت إليه من بين دموعها، وتفرّست في وجهه، قائلة: "لمَ تدعوني ابنتك، مع أنك لست مُسنّاً؟". أجابها: "لأن بُكاءك جعل قلبي يحنّ عليك. فأنا لي أبٌ يمنحني السلام دائماً عندما أكون حزيناً". فضحكت بسخرية: "أبوك؟!...وهل لا يزال حيّاً حتى يُعاملك كطفل؟". قال: "أبي هو حيّ منذ الأزل، لأنه أبٌ سماوي. هو يمنح الحياة ولا يموت". فقالت الفتاة: "أتقصد الله؟...وتُسمّيه أباك؟. كم أنت محظوظ حتى تشعر أنه أبيك!. أما أنا فإن الله الذي في السماء أعتبره سيّداً أظلم من أبي السيّد الذي على الأرض". ثم عادت لتبكي.
قال يوحنا: "عليّ أن أسير كل ذلك الطريق الطويل. فهل ترغبين أن ترافقيني فنتحدّث عن هذه الدنيا وأحزانها...وأفراحها؟". أجابت: "سأمشي معك...لأن البيت الذي أقصده هو في منتصف الطريق. ولكن دعنا نتحدّث عن أحزان الدنيا...لأنها خالية من الأفراح". فقال: "يا ابنتي...ما سبب هذا المرار الذي في حلقك؟. تكلّمي...إني أُصغي إليك".
قالت: "ولمَ عليّ أن أثق بك وأُخبرك أسراري؟...ألأنك تناديني ’ابنة‘؟. كثير منهم
نادوني في البداية كذلك، وبعدها آذوني ودمّروا حياتي". وصمتت، وفي عينيها غضب وتحدٍّ للحياة.
فعاد يوحنا يخاطبها بهدوء: "نعم...كثير من البشر يأتون بثياب الحملان، لكنهم ذئاب خاطفة. وقد حذّرنا الرب منهم، ومن كافة أنواعهم. فبعضهم يخطفون الجسد...وآخرون الروح؛ إذ يُضلّونها ويُبعدونها عن طريق الحق لتسير وراءهم في طريق الظلام والحقد والخطيئة. وعلينا أن نكون حكماء كالحيّات...فنُميّز الحمل عن الذي يدّعي أنه حمل وهو ذئب خاطف.
ولكنّك قلتِ إن الله سيّد ظالم...لا بل وأظلم من أبيك. فلماذا؟. هل لي أن أعرف؟. كيف يظلم الله فتاة مثلك وقد أعطاها الشباب... والصحة... والجمال... والعقل... والكثير الكثير!؟".
أجابت: "ظلمني...لأنه خلقني جميلة!. إن جمالي هو نقمة لي...فالكل يطمع بي ويريد شرائي. وأبي أراد بيعي...ولكن بأعلى ثمن يُدفع له.
عندما كنت صغيرة، أحببت شابّاً صغيراً مثلي. ورأيت الدنيا كلها في عينيه. ومنذ المرة الأولى، لهف قلبي إليه. وأحسست أنه يعرفني؛ كما أعرفه، وأننا سنكون كفراشات الحقل التي تطير وترقص بأجنحتها طوال النهار. وقد أحبّني...ولكن في يوم، خذلني وباعني...فصرت وحيدة، أبحث عن تعزية لنفسي بين أهلي...لربما يُخفّفون عني، لكنهم لم يرثوا لحالي...وتركوني لألمي يُمزّق أحشائي.
وبينما كنت في وسط مشكلتي، جاء أبي وأخبرني بأنه يريد تزويجي من إنسان ثريّ قد أعطاه مالاً. وأبي يؤمن بالله، ويعرفه جيداً. فقلت: لا أريد...فأنا لا أزال صغيرة. أمهلني فترة حتى أكبر فأستطيع أن أُقرّر. لكنه أخبرني بأنه قرّر عنّي...وأن الله هو الذي أرشده إلى ذلك الثري.
وهكذا كنت صفقة. وعندما تزوّجت به، أدركت بأني جسداً اشتراه بماله. وبعد فترة أخبرته بأني روحاً وعليه احترامي، وتقديري وحبّي. فضربني، ورمانـي وسـط الطريق في ليلة باردة.
وهكذا كرهت الله...لأنه ظلمني!...وكرهت أبي وزوجي...وصرت وحيدة.
ومنذ ذلك اليوم، أكره جمالي أيضاً. أستخدمه لأعيش...ولكن في داخلي ثورة على كل معاني الحُب...لأنه لم يُحبّني أحد. فلو كان الله يُحبّني، لحماني من الطريق...ولو كان أبي وأهلي أحبّوني، لمَ باعوني؟. حتى حجارة الطريق، لو أحبّتني، لصارت لي سقفاً يحميني. ولكني ذقت التشرّد، دون أن يمدّ أحد يده لمساعدتي".
وفيما هي تتكلّم، نظرت ليوحنا، وإذ به يبكي معها. فقالت غاضبة: "ما بك، أيها الرجل؟...لمَ تبكي؟. هل أنت أبي الذي ظلمني حتى تذرف دموع الندامة؟". قال: "أبكي على نفسي، وليس عليكِ...على نفسي التي عجزت أن تُحبّ أهل بيتها. ولكن رغم كل ذلك أحبّها الرب...وحماها...وافتقدها. أما أنت، أيتها المسكينة، فقد أحببتِ...ولكن حُبّك ضاع في طريق المصالح، وداسوه بأقدامهم...حتى وصلت إلى هذه الحال. كم أنت مسكينة، يا ابنتي!".
فقالت: "أتعرف أن من تدعوها بهذا الكلام الحنون، يهرب الكثيرون منها...ويسمّونها بالملعونة؟. لا أحد منهم يسقيني كأس ماء...ولا يُدخلونني بيوتهم. رذلوني، وتركوني غارقة في بئر قديم كله أوساخ ورذيلة. ولكن الغريب أن الكثير منهم أراهم ينظرون لجمال جسدي، ويحاولون أن يتملّقونني...فيزداد حقدي عليهم وألمي".
فقال يوحنا: "أحب أن أقول لك أن الله ما كان يوماً ظالماً، ولن يكون...لأن منـه
يأتي كل الخير والصلاح. هو أعطاكِ نعمة الحبّ، لأنه عطيّة منه...وهو الوحيد الذي يمنحه بالمجّان. ولكن إن كان هذا الحُب قد سقط كالوردة التي تذبل فتسقط، فهذا لا يعني أن الله هو الذي قتل حُبّك. الوردة الجميلة التي يخلقها الله تُؤثّر عليها الشمس...والريح...والزمن...فتذبل وتموت. وإن وجدَتْ رعاية، تعيش مُدّة أطول.
هكذا هي مشاعركِ...لم تجدْ من يهتمّ بها...لذلك ذبُلت في أجمل لحظاتها...بسبب قساوة البشر الذين لا يعرفون معنى العطيّة، وعِظمها وجمالها. ولكن الله يهبكِ دائماً عطايا أُخرى. ولا بدّ أنك ستجدين الحُب، فيُدفئ قلبك الحزين.
إن المسيح قد أحبّكِ جداً...جداً...حتى أنه مات من أجلك. وهذا ما تحلم به كل فتاة: حبيبٌ مُستعدّ أن يموت لأجلها. والمسيح اختار أن يموت...كي يرفع عنك هذا الضيق الذي سلبك القوة...والحزن الذي هدمك...والألم الذي قادك في طريق الخطيئة.
إنه لن يرجمك بحجر، بل هو يمدّ لك يد المعونة ليُساعدك...كما مدّها للشفاء: عندما لمس يد حماة بطرس، فتركتها الحمّى...وللتطهير: حيث لمس الأبرص، فللوقت ذهب عنه البرص...كذلك لإعطاء الحياة: عندما تقدّم ولمس النعش، فوقف الحاملون، وقال للشاب ’لك أقول قُمْ‘...ولمنح الاستقامة: لمّا وضع يده على المرأة المنحنية، فاستقامت ومجّدت الله...وللنجاة: حين مدّ يده وأمسك بيد بطرس لحظة الغرق... وأيضاً للبركة: عندما احتضن الأطفال، ووضع عليهم يديه وباركهم.
لن يفعل مثل أولئك الناس الذين أغلقوا أبوابهم، ومنعوك من الدخول...بل يدعوك للدخول إلى فرحه؛ حيث سيهبك الحياة، والحُب الذي فقدتِهِ، والأمان".
فسألته الفتاة: "ولمَ كل هذا؟!". أجاب: "لأنه يريد كل البشر أن يُشاركوه محبّته، وأن يعيشوا في حضن رحمته. إن الحياة بعيداً عنه، هي ذلّ وألم ووجع...أما معه، ففرح وسلام. حتى الضيق والأوجاع التي في طريق الرب لها طعم آخر...لأن بها تُشاركين المسيح ألمه. وإن مشيت دربه الصعب، وتقبّلت كل ما يُوجّه إليك من شتيمة أو عقاب، يمنحك التعزية والصبر. فعودي إليه!...إنه لم يترككِ يوماً. بل هو دائماً معكِ...دون أن تلمسي وجوده. عودي إليه، يا ابنتي التي شوّهتك الخطيئة!...وهو سيُصلح من حالك، ويُقيمك من سقطتك، ويُثبّتك في طريق الحُب...ولن تندمي، لأنه سيُجدّد روحكِ؛ فيعود لك شبابكِ".
بكت الفتاة بكاءً مُرّاً، وقالت: "لا أدري، أيها الرجل المسافر...هل سأقوى على الحياة معه أم لا!...قد تعوّدت على عالمي...وصرت منه. وأنت تدعوني للبدء من جديد...للعودة للوراء...حيث كنت فتاة صغيرة، بريئة، صادقة، رقيقة المشاعر. أما الآن فقلبي عجوز...ماكر...حاقد...لا يُميّز تلك المعاني الجميلة. فكيف سيقبلني الرب على هذه الحال؟!".
قال: "لا ترفضي سريعاً الحياة بالنور. فكّري، وافحصي نواياك...وكوني شجاعة. إن أحببتِ النور والحرية والصدق يوم كنت صغيرة، فقاومي الآن...واصرخي إلى الرب كي يُنجيك، فتكون لك حياة جديدة معه. بدونه لا حياة...ولا قيامة...ولا رجاء".
ردّت الفتاة: "الآن وصلت إلى البيت الذي أقصده...ولا أعرف هل أدخل أم لا!. كنت أُحسّ سُكّانه مثلي...أما الآن فكأني غريبة عنهم. وإذا دخلته، سأتشوّه أكثر وأكثر. ماذا أفعل، أيها الرجل؟...إني حائرة. ستذهب وتترك كلماتك تُعذّبني". أجاب: "لن أذهب. إن أردت أن أُساعدك، سأبقى".
جلست الفتاة على الأرض، ويداها على رأسها. فصمتت فترة...ثم وقفت وقالت: "أيها المسافر الطيّب...عليك إكمال دربك. أما أنا فلا أزال ضعيفة. لكني أريد محاربة خطيئتي وضعفي...ولكن هل سأنتصر؟...هل سأسقط من جديد بسبب كره الناس ورفضهم الدائم لي؟!...أم سأصبر لأني أستحقّ أن يُعاملونني بقسوة جـزاء أفعالي؟. سأعود إلى أهلـي...ربما يقبلونني. صلّي من أجلي كي يُسامحوني؛ فأبدأ من جديد، وأعيش وسطهم".
ودّعها يوحنا، قائلاً: "أنت الآن تقولين ’ربما‘...ولكن في طريق عودتك صلّي كثيراً كي يُغيّر الله هذه الكلمة...فيُعطيك الشجاعة والقوة...فتقولين لأهلك، وللجميع: أريد البداية مع المسيح من جديد...فاقبلوني باسم الرب الإله".

 

عودة        الرئيسية