|
|
الفصل العاشر
|
ذهب يوحنا إلى شاطئ البحر، حيث وجد سفينة مغادرة إلى وطنه. اقترب من أحد بحّارتها، وسأله: "هل أستطيع السفر معكم؟". فنظر إليه الرجل بنظرات قاسية جداً، وتفرّس فيه، ثم قال: "وكم تدفع لي؟ فأنا قبطان السفينة". أجاب يوحنا: "ليس معي مال. ولكني مستعدّ أن أعمل مقابل أُجرة سفري". وبعد صمت قليل، قال القبطان: "إني موافق. ولكنك ستقوم بعمل شاق في المطبخ...بتنظيف الحلل الكبيرة التي يُطبخ فيها طعام المسافرين. ولن أعطيك مالاً...فقط الطعام". فقبِل يوحنا ، وقال مبتسماً: "أشكرك جداً، أيها القبطان، لكرمك". فاستغرب الرجل من جوابه، وتابع كلامه: "اصعد الآن. سننطلق قريباً". ثم أخذه القبطان وأراه غرفة ضيّقة ومظلمة تقريباً في أسفل السفينة. هناك وُضعت حلل سوداء اللون. وفي الزاوية، يوجد فراش قديم للنوم. وقال: "هنا سوف تعمل وتنام. أراك لاحقاً". وبعدها أتى إليه شخص بدين، وقال: "هل أعجبك المكان؟ أظنه أفضل من الطريق والتشرّد على أية حال. وبما أنك قبلت به، لا بدّ أنك عشت عمرك كله فقيراً، تعمل هنا وهناك مقابل قوتك. ولكن الغريب أن وجهك لا يبدو عليه ذلك. فأنت تبدو وقوراً وابن غنى ودلال. فما الذي أوصلك إلى هذه الحال؟". أجاب يوحنا: "سيكون أمامنا وقت طويل للحديث. أما الآن، وقبل أن تُقلع السفينة، ما رأيك أن نصعد إلى سطحها ونشكر الله على كل شيء. ونطلب منه أن يحمينا في عرض البحر، ويوصلنا سالمين!؟". فضحك الطبّاخ، قائلاً: "ماذا؟...تريد أن تُصلّي هنا؟!...وأين، على سطح السفينة؟!. إن فعلتها، ستكون موضع سخرية القبطان القاسي القلب والرجال الذين يعشقون الخمرة، والذين يقضون لياليهم في الشرب والغناء. ومع أنهم أقوياء البنية، لكنهم ضعفاء جداً أمام الخمر والأكل والنساء". قال يوحنا: "سوف أصعد وأُصلّي". أما الطبّاخ فقال: "وأنا كذلك أريد رؤية وجهك المحمرّ عندما يهزأ بك الجميع. ولكن، هل لي بسؤال؟...لمن ستصلّي، لإله البحر أم للشمس أم للقمر؟...من هو إلهك أيها الرجل الغريب؟". أجاب يوحنا: "إلهي هو الإله الوحيد في العالم. هو الذي خلق كل شيء. إنه أكبر من البحر، لا بداية له ولا نهاية...أدفأ من الشمس...وضوءه أجمل من ضوء القمر. بل إنه الجمال والدفء الحقيقي. إن إلهي هو إله المحبة والسلام". ثم صعد إلى السطح، وركع، ورفع يديه نحو السماء، وصلّى بصوت عالٍ: "أشكرك أيها السيد المحبّ البشر، لأنك ساعدتني أن أجد مكاناً على هذه السفينة. اِحمِ طريقنا بقوّتك...وأوصلنا سالمين كلٌّ إلى مبتغاه...كنْ مع القبطان ورجاله كي يقوموا بعملهم تحت عنايتك...كنْ مع المسافرين جميعاً...وافتح هنا القلوب كي تسمع كلامك. يا ابن الله العليّ...أنت الذي تُخرج من الصخر ماء...وأنت الذي تشقّ البحار...وأنت الذي محبتك ليس لها حدود...أبعد من الأفق...وأعمق من أعمق بحر. أناجيك، ربّي، أن أكون سراجاً يضيء للذين يعيشون في الظلمة. دعْ روحك القدوس يعمل فيّ...وتكلّم أنت من خلالي...آمين". فصفّق له رجال القبطان بسخرية واستهزاء، وصرخوا: "انظروا. ها هـو ’قدّيس‘ معنا!. فلا تخافوا... لن نغرق. فإن إلهه سيحمينا. لمَ ننشر الأشرعة؟... لنتركها للريح... وهي ستقودنا. وإلهه سوف يأمرها لتوصلنا إلى وجهة سفرنا". ثم أخذوا يضحكون، ويشربون الخمر، قائلين: "نخب القديس!". ووقف القبطـان، وقال: "لمَ تُضيع وقتك أيها الرجل؟ اذهبْ...فهناك عمل كثير بانتظارك". وشاهد كثير من المسافرين كل ما حدث. أما يوحنا عاد إلى مكانه برفقة الطبّاخ، حيث الحلل الكثيرة التي اهترأت واحترقت من كثرة استعمالها. قال الطبّاخ: "عليك تنظيفها جميعاً في هذه الرحلة. ولكن الآن مبدئياً أريد واحدة نظيفة لأطبخ بها طعام العشاء". وهزّ رأسه، متمتماً: "يا لك من مسكين!". ارتدى يوحنا ثوباً مُهترئاً فوق ثوبه الأبيض، وأخذ يعمل بهمّة ونشاط. وعندما انتهى من تنظيف الحلّة الأولى، أخذها إلى الطبّاخ بهدوء وسرور، شاكراً الرب في قلبه على النعمة الكبيرة التي منحه إياها. وهذه النعمة هي الفرصة التي هيّأها له كي يتّضع فيعمل عمل العبيد. أمسك يوحنا بالصليب المُعلّق في صدره، وناجى الرب: "أيها المسيح الحبيب. كم أنت متواضع حتى قبلتَ أن تعيش فقيراً على هذه الأرض التي خلقتها وما عليها وما فيها...ولم يكنْ لك مكان تسند عليه رأسك! كم أنت متواضع عندما وُلدت في مذود فقير وتركت الحيوانات تُدفئك...وأنت هو الدفء والنور! اتّضعت في كل شيء...فعلّمني الاتّضاع الحقيقي". عندما رأى الطباخ الحلّة نظيفة وجاهزة، قال: "ما اسمك أيها الرجل؟". أجاب: "يوحنا...أي ’الله تحنّن‘". قال الطباخ: "لقد قضيت عمري ساخراً من هذه الحياة. أسخر من كل من أراه، ومن كل ما أعمله وما يعمله غيري. وهكذا أستطيع احتمال شقائي والسفر الدائم. وكل ما أراه من أمور غريبة أسخر منها، كي لا تقترب مني. ولكن عندما أنظر في وجهك، لا أستطيع السخرية منك. فلماذا؟…عندما كنتَ تصلّي، لم يستطع لساني أن يسخر من كلامك، ولا من إلهك...لأنك قلت أنه إله محبة. وأنا أحترم كل من يحب. فأنا أحتمل عملي الصعب وسفري الدائم من أجل أسرتي وأطفالي، لأني أحبّهم. فيك شيء غريب أحب الاستفسار عنه. ومع أني لست فضولياً بطبعي، إلا أني أحسدك على هدوئك وصبرك وسلامك. تُرى ماذا تُخبّئ وراء ثوبك الأبيض؟ وما هذا الذي تعلّقه على صدرك؟ هل هي تعويذة تطرد بها الأرواح الشريرة؟ هلمّ أخبرني، أمامنا ليل طويل. فلنتبادل الحديث والقصص. كلٌّ منّا يُخفي وراء ابتسامته قصة غريبة. فأنا أُداري بسخريتي آلامي المبرحة التي جرحتني منذ طفولتي. وأنت...ماذا تُخفي؟". أجاب يوحنا: "أنا لا أُخفي شيئاً. وما تُحسّه وراء ثوبي الأبيض هو قلبي الذي أحبَّ إلهاً خلقني وأوجدني من العدم...وأحبَّ إنساناً مات على الصليب. وهذا الإنسان هو ذلك الإله...فقد خلقني...ثم مات حبّاً بي. روحي عشقت إلهاً تجسّد من أجلي، ونسمته نادت أشرعة مركبي...فعرفتْها، وقبِلتْها...وتركتْها تقود مركبي إلى حيث تريد. وأنا أثق أنها تقودني دائماً لبرّ السلام والأمان. وهذا الذي أُعلّقه على صدري ليس تعويذة أطرد بها الأرواح الشريرة، لكنه صليب خشبي...كالذي عُلّق عليه حبيب روحي...فخلّصني من الخطيئة، ورفعني من محبة الدنيا وشهواتها إلى محبة السماء وبركاتها. ومعي دائماً هذا الكتاب الذي لم تلاحظ وجوده. وهو كلام الحياة الذي ينير طريقي". قال الطبّاخ: "كم هو صعبٌ كلامك! ولكنه سهل أيضاً...فكيف هذا؟...ربما صعب، لأنك تتحدّث عن محبة تجسّدت...ولكنه سهل، لأنك تُخبر عن المحبة التي تبعث الفرح والسلام. لا أُخفي عنك أني قد سمعت يوماً عن هذا الإله من شخص آخر سافر على هذه السفينة أيضاً. ولكني لم أُصدّقه، لأنه كان يتكلّم عن إلهه ولا يعمل بما يقوله. لذلك رفض الجميع الإصغاء إليه، وقالوا له: ’لو كان إيمانك حقيقياً، فعليك العمل بما تؤمن به، وليس فقط كثرة الكلام عنه‘. وعندها كنت في أشدّ الحاجة إلى سماع خبرٍ عن أي إنسان يهتم بي ويرثي لحالي. كنت حزيناً، والآلام تمزّق أحشائي...فكيف عندما سمعت أنه يوجد إله يحبني ويريدني أن أكون سعيداً؟!. أصغيت إليه بكل شوق...ولكن في النهاية لم أستطع أن أُكمل. فهمومي ومشاكلي كانت قد خنقت كلامه عن الله". فسأله يوحنا: "كيف؟". أجاب الطبّاخ: "لست أدري. هذا ما شعرت به حينها". قال يوحنا: "عندما خرج الزارع ليزرع، سقط بعض القمح على الطريق. فأتت الطيور والتقطتها. والذي سقط على الصخر ذبل ومات، لأنه لا يوجد له أصل. والذي سقط بين الشوك، خنقته الأشواك. أما الذي سقط على الأرض الطيّبة، أعطى ثمراً ثلاثين وستين ومئة. ذلك القمح هو كلمة الرب. وعندما سقط على الطريق، هنا على هذه السفينة من خلال ذلك الرجل، سمع الكلمة بعض المسافرين. ولكنهم لم يُريدوها أن تُغيّر مشاريع سفرهم...وأحلامهم...وخططهم. فتركوها للطيور تأخذها بعيداً، ونسوها. ومن هو مثل القبطان ورجاله، عاشوا عمرهم بعيدين عن الرب، فقست قلوبهم جداً، وصارت كالصخر. وعندما سمعوا كلمة الحياة، نَمَت قليلاً. لكنهم لم يُليّنوا قلوبهم؛ إذ ليس لهم أصل في ذواتهم...فتركوا كلمة الرب تموت. أما أنت...فكثرة همومك ومشاكلك جعلتك حزيناً متشائماً...ولم تُعطِ الفرصة لكلمة الحياة أن تُمزّق أسوار قلبك وتصل إلى عمقك...فتلمسك من الداخل...وتكشف لك معنى الرجاء. لذلك قويت عليك آلامك وخنقت كلمة الرب. أما ذلك الرجل الذي كان يتكلّم ولا يعمل بالكلمة...إن أرضه طيّبة...ولكنه يُعطي ثلاثين فقط. وكثير من المبشّرين يعطون ستين، وآخرون مئة. وربما هو الذي مهّد وجودي على هذه السفينة. وهذا عمل سيكافئه الرب عليه. وعلينا ألاّ ندينه، لأن الرب رحيم وحنون. فمن يعطي كأس ماء باسم المسيح، لا ينسى له الربُ هذا العمل...فكيف من بشّر باسمه! أما أنتم فلم تؤمنوا ليس لأنكم لم تروا المثال...إذ أن المثال الصالح أمامكم هو الرب يسوع. فلماذا أثّرت عليكم تصرّفات ذلك الرجل؟ ألأنكم رفضتم قبول الإيمان...وأحببتم الحياة القديمة أكثر...فوجدتم أعذاراً لأنفسكم؛ واضعين اللوم عليه؟! إن كلمة الرب لا يمكن أن ترجع فارغة. وهي لا تزال تعمل في قلوبكم حتى الآن. وإن كانت قلوبكم حينها قاسية...أو حزينة ويائسة...فلمَ لا تفتحونها الآن مرة ثانية لتسمعوا الكلمة؟. إن الرب يسوع قادر أن يُخلّصك من هذا اليأس الذي تكلّمت عنه. فهو يعطي رجاء لليائسين...وتعزية للمُعذَّبين". فتنهّد الطبّاخ، وقال: "اتركني يا يوحنا. لقد فتحت جراحاً كثيرة. حتى سخريتي أنسيتني إياها!...اتركني...أريد أن أُكمل عملي وأنام...ربما أستريح وأنسى كلامك". وفي الغد، جاء الطباخ مسرعاً، وأيقظ يوحنا، قائلاً: "قمْ...قمْ!". استيقظ يوحنا، وسأله: "ماذا بك؟!". أجاب الطباخ: "هناك…هناك…في غرفتي وقف رجل أمام النافذة الصغيرة، ومدّ يده وقال لي: تعال...تعال...لا تخفْ. ثم ابتسم، واختفى!. من هو ذاك؟...لا بدّ أنك تعرفه. هل هو روح شرير قد أحضرتَه معك؟!...أم من هو؟". وبينما الطباخ يرتجف خوفاً، قال يوحنا: "اهدأ...اهدأْ يا أخي. سلام الرب معك. لا تخفْ...واحكي لي بالتفصيل ما رأيتَ...وما هي أوصاف ذلك الرجل". أجاب: "يرتدي ثوباً أبيض...وفوقه عباءة حمراء اللون...وشعره طويل...وعيناه تلمع بشكل مُميّز...حلو جداً...وابتسامته رائعة...وصوته حنون. للحظات أحسست بالأمان. وعندما اختفى، خِفت كثيراً". فقال له يوحنا: "لا تخفْ...إنه السيد يدعوك. قد عرف ألمك وشدّتك...وجاء يناديك". أجاب الطباخ: "وكيف عرف؟...هل أخبرته أنت؟". قال يوحنا: "لا...إنه يعرف كل شيء. ويعرف الذي عانيتَه في طفولتك القاسية...وكم عذّبتْك أمك التي تركتك للطريق والتشرّد والبرد". فاستغرب الطباخ: "وكيف عرفت أنت بهذه الأمور؟!". أجاب: "لقد صلّيت لك قبل النوم. وطلبت من الرب أن ينير لك الطريق. فرأيتك في حلم طفلاً فقيراً مُشرّداً يجول في الشوارع، علّه يجد طعاماً أو مأوى في زاوية ما...ويحرق ما يجده من قطع خشبية كي يستدفئ. كنت تبكي وتقول: ’لمَ فعلتِ ذلك يا أماه...وتركتني من أجل ذلك الرجل الغني؟! أنا ابنك الذي أحبّك دائماً‘. عرفت بأنك فكّرت بالسرقة والسطو والنشل، لكنك قلتَ: ’من الأفضل لي أن أعيش مشرّداً من أن أكون مجرماً وسارقاً‘. ثم رأيتك تكبر، وتعمل هنا وهناك...إلى أن تزوّجتَ وأنجبت ثلاثة أطفال. وها أنت تعمل هنا من أجل أن تحميهم من التشرّد والفقر". بكى الطباخ، وقال: "هل أنت واثق أن ذلك الرجل الذي وقف أمام النافذة هو إلهك...وأنه يريد خيري؟". أجاب يوحنا: "نعم...والآن دورك أنت أن تثق به...لأن الرب يسوع كله خير، ومنه يأتي كل صلاح. إنه عكّاز العميان...ودفء المشردين ورغيف المِعوزّين". بدأ يوحنا يُخبره عن الفداء...وكيف تمّ. وصارا يتكلّمان دائماً عن الرب يسوع أثناء العمل وفي الاستراحة. وفي كل مساء، كان يوحنا يصعد إلى سطح السفينة ويصلّي؛ شاكراً الرب ومُسبّحاً إياه. وكل مرة، كان القبطان والبحارة يهزؤون به. ويوماً تجرّأ الطباخ وصلّى مع يوحنا، وهكذا انهالت عليه كلمات السخرية والاستهزاء، وصار وجهه أحمر كالدم. لكنه تابع الصلاة. وفي تلك الليلة سأل يوحنا: "لمَ لا تخجل عندما يسخر الرجال منك ولا تخافهم ولا تفكّر بأمرهم؟. فأنا اليوم أحرقتني كلماتهم خجلاً وألماً". أجاب: "لأنك لا تزال في بداية الطريق. وعليك أن تمشي مع الرب مسيرة طويلة. فسلّمْه حياتك...وهو سيدبّر أمورك...ويقودك في رحلة معه يُعرّفك فيها على ذاته. ورغم الألم والذكريات، سيكون الرب يسوع سبب سعادة وسلام لك دائماً. أما عني، يا أخي، فإني لا أسمع كلماتهم. عندما يبدؤون بالسخرية، يسدّ ذِكرُ الرب أذناي عن أصواتهم فلا أسمعها...ولا أعرف بما يتكلّمون. قلبي وفكري يكونان منشغلَين بالله فقط...ولساني يُسبّح الخالق...وعيوني ترى عجائبه...أما آذاني فتُصغي لصوته العذب". وتابع الطباخ الصلاة المسائية كل يوم مع يوحنا. وبدأ يكتسب الجرأة شيئاً فشيئاً...حتى أنه لم يعُدْ يُبالي بما يسمع. وكان كل يوم يقترب من المسيح أكثر فأكثر. وكان من بين المسافرين امرأة عمياء منذ سنين كثيرة، ومعها ابنها وابنتها. لقد هربوا من بلد اشتعلت فيها نار الحرب. وها هم عائدين إلى موطنهم الأصلي. هذه المرأة كانت كل مساء تقف بعيدة تستمع إلى صلاة يوحنا والطباخ، وتطلـب منهم أن يذكروها في صلواتهم. ويوماً سألها يوحنا: "أيتها السيدة...هل تعرفين لمن أُصلّي؟". أجابت: "نعم...إنك تُصلّي لمخلّص نفسي وفاديها: الرب يسوع المسيح". وكم كانت فرحة يوحنا عظيمة!...أخيراً هناك من يعرف الرب يسوع على هـذه السفينة. فقال لها: "لقد أسعدتِني بجوابك...بل لقد طرُب قلبي وارتاحت روحي". فقالت له: "إني أحس وكأنني أراك، أيها الرجل. فمن صلاتك عرفت أنك تُشبه الرب يسوع، لأنك تحبه...فلا بد أنك تُشبهه". فسألها يوحنا: "وهل رأيتِه؟". أجابت: "نعم. رأيته يوماً مُعلّقاً على الصليب ينزف دماً نقياً. سألتُه: ماذا أفعل كي أخلص؟. قال لي: اصبري...وصلّي. ومرّت أيام وأيام. وتزوّجت من رجل لم أعرفه. لقد أخلصت له. أما هو فأحب الخمر واللهو. وعندما لم يكنْ لديه ثمن الشراب، كان يأتيني غاضباً ويأخذ كل ما أملكه من نقود. وهكذا قضينا أيامنا فقراء، نعيش يوماً بيوم. وإذا وجد عملاً، لم يكنْ يستمر به أكثر من يوم واحد. وعندما كنت أربّي بعض الدجاجات والغنم بجوار البيت...يأتي هو ليبيعها، ويأخذ ثمنها ويصرفه على المُسكر. وهكذا مرّت السنين...وأنجبت طفلة، وعندما كبرت الفتاة قليلاً، ضربها أبوها ضرباً شديداً. فكبرت وهي تخافه جداً. وبعدها رزقنا الله بولد. أحبه أبوه للغاية...وأراده أن يصبح مثله. وبدأ يُلقّنه الدروس. وعندما أحسست بذلك، غضبت وثرت عليه. وحاولت منعه من إفساد الولد. فضربني حتى العمى...ثم ترك البيت. ولم نعدْ نعرف عنه شيئاً. ساعدني الجيران والأصدقاء في تربية الأولاد. وفي يوم، ثارت الحرب. وأخذ الغرباء بيتنا. ولم نجد مكاناً نذهب إليه سوى بلدنا الأصلي الذي سكنه أجدادي. هناك ما تزال الحياة بسيطة. وسيقبلوننا ويعاملوننا كأهل. ولكن الخوف كبير من أن يتنكّروا لنا ويتركونا للطريق. وبما أن ابني صـار شاباً يستطيـع العمل، وابنتي كذلك، أظن أن الحياة هناك آمن من بلد أحرقتْه النار". قال يوحنا: "أيتها الأم المسكينة. أحب أن أعرف، وسط كل هذه الأحداث المريرة، كيف حافظت على مكانة الرب يسوع في قلبك وفي قلوب أولادك؟". أجابت: "الآن قد اختلفت الأمور...ويحق للفتاة أن تختار. أما في أيامي كنت مجبرة. وقد اختاروه لي، فقبلت مشيئة الرب...وسلّمته حياتي...ووعدته أن أكون زوجة صالحة وأماً حنون إذا رزقني بأطفال. وعندما رأيت سوء زوجي ومعاملته القاسية، كنت أُعزّي نفسي، قائلة: اصبري، يا بنت. وماذا تتحمّلين أنت مقارنة بما تتحمّله غيرك من النساء؟!. ها هو رجل سليم الجسم وليس مجرماً أو قاتلاً. وعلّته فقط أنه يحب الشرب، وأنه كسول في العمل. وستتغيّر هذه العادة عندما يرى أطفاله يكبرون. سوف يخجل من نفسه. انظري كم تحمّل الرب من أجلك...أوما تتحمّلين أنتِ الآن زوجك والرب قد جمعكما وجعلكما جسداً واحداً؟. وعندما كان يضربني، كنت أقول: ها هو الرب قد تحمّل أن يلطمه الجنود...فاصبري وصلّي. وعندما بدأت ابنتي تخافه، كنت أُجمّله في عينيها، قائلة لها: ’أبوك مسكين!...وعلينا مساعدته وليس كرهه. انظري للسامري كم كانت رحمته كبيرة!...وأبوك كذلك، جعلته الخمر بائساً وتعيساً. فعلينا أن نرحمه نحن ونحبه، ونشجّعه على ترك هذا السُم‘. ولكن عندما بدأ يُفسد ولدي، لم أحتملْ...أحسست بقوة في داخلي تقول له: توقّف!...لا تُخطئ أكثر. قد تحمّلك الرب جداً...فلا ترتكب خطأ أبشع يقودك إلى الهاوية بخطوات أسرع. لذلك هاج عليّ وضربني...وكأنه كان يعاقب الدنيا كلها فيّ. وظلّ يضربني كل يوم حتى فقدت البصـر...إذ قلت له: اضربني أنـا، ولكن لا تضرب ابنتك أو تُفسد ولدك. ثم رحل عنا. هل تُصدّق، أيها الرجل، أني أُفكّر فيه كثيراً؟!. لقد سامحته على حرمانـي مـن رؤية وجوه أولادي الذين صاروا شباباً الآن...على حرماني رؤية وجوه الناس، وخاصة عيون الذين يُشعّ من خلالهم نور الرب. والآن لا أدري أين هو...حيّ هو أم ميت. لا بد أنه حزين ويائس. صلّي له كي يعود إلينا. وعندها سوف نهتم به ونرعاه من جديد...ونقبله بيننا أباً وزوجاً. أنا جُرحت...ولكن أبنائي هم معي، عربون قوّتي من الرب. أعطاني إياهم ليسندوني. أما هو فوحيد ومُهمَل. أما أولادي، فهم يعرفون الله جيداً. أخبرتهم عنه، فآمنوا به. ولذلك نحن عائلة مترابطة ومتينة لا نخاف...لأن المسيح هو صخرتنا، فلن نتزعزع. سنعود إلى موطننا. حتى إن رفضَنا الجميع...فباسم الرب، سيكون لنا بداية في مكان ما...وسيرسل لنا من يحبنا ويقبلنا". سألها يوحنا: "إلى أين أنتم ذاهبون؟". قالت: "إلى مملكة إنسان يقولون عنه إنه قاسٍ وظالم جداً. ولكنه ترك مملكته فجأة منذ سنين، ولا أحد يعرف عنه شيئاً". أدرك يوحنا أنه هو المعنيّ بكلامها. فابتسم وقال: "أُبشّرك، أيتها الأم، أنني واحد من تلك المملكة. ولي هناك بيت وعائلة. وسأقبلك في بيتي وبين أهلي...أنت وأولادك. فاشكري الرب لأنه قد سمعك وعرف كم ذُقتِ من فقر وألم". فرحت الأم جداً. وعادت إلى غرفتها لتُخبر أولادها بما حدث. ثم اقترب من يوحنا أحد المسافرين يبدو عليه أنه صاحب علم، وقال: "كيف تعد هذه المرأة المسكينة ببيت وأهل وأنت نفسك ليس لك بيت ولا أهل، بل تعمل هنا أجيراً في المطبخ؟!...ألم ترى أنها عمياء؟...فلمَ خدعتها أيها الرجل؟ اتركها بحالها وتقول لها ’سأقبلك في بيتي‘؟!...وأي بيت عندك أيها الخادم؟!". فردّ يوحنا: "أشكرك على وصفي بالخادم. فقد نسيت نفسي. صحيح هذا، ولكن في مملكة الرب منازل كثيرة؛ حتى للخدّام أمثالي. وأنا سعيد بذلك المنزل...وهذا يكفيني". فقال الرجل: "ماذا؟... مملكة الرب؟!... هل ما تزال تُصدّق هذه الأباطيـل وتخـدع نفسك بها؟. إن هذا العالم سيزول بمجرّد اختلال قوانين الطبيعة التي تحميه وتعطيه توازناً. أنا عالم فَلَك...وأعرف الكثير عن هذا الكون، وعن النجوم والكواكب...أرصدها منذ سنين...وأظن أن النهاية ليست بعيدة. فكُلوا واشربوا وتنعّموا، أيها الناس، فإن الأرض مصيرها الزوال. إن العلم هو الذي يقودني، والعقل هو إله الإنسان". فقال له يوحنا: "وهل قرأت يوماً عن نجم قاد ثلاثة من علماء المشرق وملوكهم إلى قرية صغيرة، اسمها ’بيت لحم‘، حيث وُلد المسيح؟. ها أن العلم قد قاد المجوس ليؤمنوا بالله. وأنت...إذا صادفتَ إنساناً له معرفة أكثر منك، هل يقودك ويصبح إلهك؟". أجاب الرجل: "لا...لا. أحترمه...لكنه لا يصبح إلهاً لي. فالإله شيء آخر". سأله يوحنا: "وكيف شيء آخر؟". أجاب العالم: "لا بدّ أن يكون فيه شيء مميّز. مثلاً: صاحب العلم المُطلق...المعرفة الكاملة...الحقيقة العظمى. ربما يكون هو إله كل العلماء...حيث يجمع ويعرف كل العلوم". فضحك يوحنا، قائلاً: "إذاً...قد عرفتَ من هو إلهي. لأنه هو العلم المطلق...وهو من وضع النجوم في أماكنها...وكوّن الهواء والماء...وهو من لوّن الطبيعة، وأعطاها التوازن. هو المهندس والطبيب والفنان، والنجّار والنحّات. هو خلق كل شيء بكلمته، الذي هو ’المسيح‘…وقال ’كُنْ...فيكون‘. به كان كل شيء، وبدونه لم يكن شيء. هو المعرفة الكاملة...لأنه فاحص القلوب والكلى...وعارف النوايا...وكاشف خفايا النفس...ولا يوجد سرّ مخفيّاً عنه، الأمس واليوم وغداً. هو الحقيقة العظمى...لأنّ كل حقيقة تستمدّ جوهرها منه...كل حقيقة تأخذ صدقهـا منه...وكل حقيقة تكتشف ذاتها فيه. إن إلهي هو ’المحبة‘ ذاتها. إنها أوسع من أي امتداد...وأبعد من أي كوكب...وأسطع من كل النجوم. إنها تُعلن الحقيقة الوحيدة التي هي: ’بدون محبة لا يوجد حياة‘. لذلك فالله هو حياتنا، لأنه أحبّنا حتى المنتهى". فصمت العالم دقائق معدودة، وبدت الدهشة عليه. ثم هزّ رأسه، قائلاً: "أيها الرجل...قد أثرت عندي حب الفضول عن أمور كثيرة، وكشفت لي تساؤلات جديدة عن هذه الحياة. إني لن أقبل بأجوبتك عنها، لأنك تنسب كل الخير، والقوة، والجمال، والحق، والبِرّ، والإبداع لخالقك. أما أنا سأُتابع حياتي باحثاً عن الأجوبة بنفسي، هنا وهناك. ربما نلتقي في نقطة يوماً ما...وربما لا. ولكن...لك مني احترامي الذي لم أُعاملْك به في البداية، فوصفتك بالخادم. ولكني الآن عرفت أنك خادم مخلص لإلهك المحب". وبعدها ترك يوحنا، ولم يتدخّل مرة ثانية في شؤونه. ولكنه كان يراقب تصرّفاته من تحت نظّاراته. أما السفينة فقد بدأت تقترب من المكان المقصود. وصار قلب يوحنا يخفق أكثر وأكثر، شوقاً لرؤية أحبائه. وما يزال القبطان ورجاله يضايقونه دائماً، خاصة وقت الصلاة. ويوماً قال له أحد البحّارة: "كُفّ أيها الرجل عن ترداد هذا الكلام!. إنـه يؤذيني، ويعذّبني، ويحرقني. فماذا تريد منّا؟ نحن أناس وهبنا عمرنا للبحر...هو يعرف همومنا ومشاكلنا. مرة يحنّ علينا، فيهدأ...ومرة يغضب ويثور، محاولاً ابتلاعنا. إنها الحقيقة. هو القوي هنا، ونحن ضعفاء. مهما حاولنا...هو جبّار وغدّار. وقد أهلك الكثيرين، فغاب ذكرهم. وتأتي أنت لتقول: يا إله البحر والسماء احمِنا وأوصلنا إلى برّ الأمان؟! إني أكره كلام التوسّل...وخاصة كلمة ’أرجوك‘. فأنا أفضّل الموت على أن أسأل النجاة أو الخلاص من أحد. بذراعي أحافـظ علـى حياتي ساعة الخطر. وبعدها أشرب نخب العاصفة...وكأنها عدو هزمتُه". فقال يوحنا: "كم أُشفق عليكم، أيها الرجال!. رغم قوّتكم ومعرفتكم بأسرار البحار، إلا أنكم تجهلون ما هو أعمق وأوسع. أريد أن أسألك، أيها القبطان، بحُكم خبرتك الواسعة: ما الأقسى، الصخور التي على الشاطئ أم التي في عمق البحر؟". فدُهش القبطان من هذا السؤال، وفكّر قليلاً، ثم سأل رجاله: "ماذا تظنون؟...إنه يريد امتحاننا". أجاب أحدهم: "أظن أنها كلها قاسية. فإذا ارتطمت السفينة بصخور الشاطئ، تكسّرت...وإذا ارتطمت بصخور البحر العميقة، أيضاً تحطّمت وابتلعتنا المياه. أظنها كلها خطرة...وعلينا أن نكون يقظين دائماً...فلا نصطدم، لا بصخور الشاطئ ولا بصخور العمق...بل علينا أن نبحث عن ممر أمين يحمينا منها كلها". فقال يوحنا: "هذا الممر الأمين هو ‘يسوع الناصري‘ الذي عبر بنا من بين صخور الخطيئة والآثام التي قسّت قلوبنا...ثم أوصلنا إلى بحر محبته الأمين ومياهه الدافئة الحنونة. فلا خطر على سفينة حياتنا في هذا البحر الذي لا حدود له...إذ أنه بحر محبة الرب لنا. لقد أنقذنا الرب يسوع من صخور...عملاقة أحياناً، وصغيرة أحياناً أُخرى...كلها يمكنها أن تهشّم مراكبنا. لذلك أراد أن يكون هو قبطان حياتنا. مشى على ماء البحر...وأسكن العاصفة بكلمته...وقال: لا تخافوا أنا معكم. تستطيعون أن تمشوا على ماء البحر إذا آمنتم بي...وتقدرون أن تُصمتوا العاصفة بكلمة إذا نطقتموها باسمي. هذا هو الرب الذي حنانه نبع ماء حي لا ينضب...ماء صافٍ رقراق، طيّب المذاق. فلماذا لا تتذوّقونه، يا إخوتي؟. جرّبوه...إنه أطيب مذاقاً من الخمرة التي تُطفئون بها عطشكم، فتهربون من ذواتكم. أصغوا الآن!...حان الوقت لتُصغوا لصوت المياه كيف تُسبّح الله. معه لا خـوف من بحر...ولا من عاصفة...ولا من مجهول. معه نحن في أمان وسلام". فقال القبطان: "لا أُنكر، أيها الرجل، أنني عندما رأيتك أحسست بقوة تدفعني أن أقبلك على سفينتي. وأظن أن هذه القوة هي قوة إلهك الذي يريدك أن تسافر معنا؛ فنتعرّف عليه من خلالك. لا بدّ أن الطباخ أخبرك أننا سمعنا عنه يوماً، وقد مالت قلوبنا إليه. ولكن خفنا أن نخسر الكثير من حياة اللهو والضحك التي عشناها بطولها وعرضها. وخفنا أن نلتزم بأقواله. ولذلك رفضنا الإيمان به. والآن نراك أمامنا...فرِحُ أكثر منّا...وتعمل بجدّ وسرور دون شكوى أو تذمّر...كلّك نشاط وحيوية...وتنعم بالسلام والطمأنينة. فحسدناك...وقلنا: من أين له هذا؟!...وحاولنا وضع العراقيل في طريقك. ولكن الآن قد عرفنا سرّك: أنه إيمانك القوي بإلهك. بالنسبة لي، أحسّه إله معقول وقريب يمكن أن أؤمن به. ولكن عندي الكثير من التساؤلات عنه. وأنتم، أيها الرجال، ماذا تقولون؟". أجاب البحّار الذي كان يتألّم من صلاة يوحنا: "الآن قد عرفت لماذا حرقتْني كلماتك يا يوحنا...لأنها تشتعل بمحبة الله الذي لمستَ وجوده، وأحسستَ بقوّته وقدرته...فمنحك هذه الصفات. أنا أيضاً أحب أن أعرفه الآن...فهل أنت مستعدّ لتخبرنا عنه أكثر؟". فرح يوحنا جداً، وشكر السيد في أعماقه شكراً جزيلاً، لأن كلمة الحياة بدأت تُثمر من خلاله. أما باقي البحارة، بعضهم هزأ من يوحنا كعادتهم، وقالوا: "لنذهب ونشرب كأساً. إنه أفضل من سماع هذا الرجل المجنون". وبعضهم نظر بحزن، وقالوا: "لا نستطيع أن نقبله إلهاً لنا، لأننا لا نحب الخسارة"، ومضوا. وآخرون قالوا: "ليُرِنا إلهك أعجوبة كبيرة فنؤمن به!...ليأتِ إلى هنا، ويشقّ البحر...ويُخرج لنا لآلئ من أعماقه...أو كنوزاً مدفونة...فنُدرك أنه يعرف خبايا البحار وما جرى في الأزمنة الغابرة...وحينها سنؤمن به". ومضى الجميع، تاركين يوحنا مع القبطان وذلك البحار. هكذا بدأ يوحنا ينقل بشرى الخلاص، ويجيبهم على كل تساؤلاتهم. وفي يوم، قال البحار ليوحنا: "ماذا تظن أنه عليّ أن أفعل؟...فذنوبي كبيرة وكثيرة. وكم أخجل من نفسي عندما أتذكّر أصغرها!...فكيف إذا تذكّرت أبشعها؟!. أظن أن الله سيرذلني ويرفضني لكثرة آثامي". فحدّثه يوحنا عن المغفرة...وأن الرب مات على الصليب من أجل أن يُكفّر عن ذنوبنا...وأنه فدانا بدمه لأنه أحبنا، حاملاً ذنوب البشرية كلها. وفي نفس الليلة، كان البحار يتخبّط بآلامه. وفجأة رمى بنفسه في الماء مقرّراً إنهاء حياته بنفسه. ولكن أحد المسافرين قفز وراءه وأنقذه من موت أكيد. فقضى يوحنا الليل كله جالساً بقرب سريره، يصلّي له. وعندما استيقظ ووجد يوحنا بقربه، بكى بكاءً مرّاً، وقال: "في لحظات غرقي، كنت حزيناً جداً وعاجزاً عن السباحة...وأنا الماهر بها!. عقلي يريدني أن أنجو، وقلبي يريدني أن أموت. وفي وسط هذا الصراع، سطع نور بغتة. ورأيت شخصاً ماشياً على الماء. أتى إليّ، وقال: أعطني يدك...ولا تخف!. فاندهشتُ، وتساءلت من عساه أن يكـون؟. فقال لي: أنا هو الذي سامحتك وأحببتك...فتعال إليّ!. أردت أن أمدّ له يدي ليُنقذني...ولكن تذكّرت أفعالي الشنيعة. فأردت الموت أرحم من عذابي. وها أنا الآن قد نجوت. أحس بطعم جديد للحياة. فقد قبلت دعوة السيد. وأريد أن أمدّ له يدي لينتشلني من بحر خطاياي وهمومي". سأله يوحنا: "لماذا أرجعت يدك عندما أراد الرب انتشالك؟!...تكلّم...فإني أحب أن أسمعك، يا أخي". فأجاب: "هل تذكر عندما قلت لك إني أرفض التوسّل وطلب العون من أحد؟...وهذا كبرياء وغرور أصابني من كثرة الظلم الذي لحق بي. فعندما كنت صغيراً، أجبرني والدي القاسي القلب على العمل. وبما أني كنت طريّ العود، نحيفاً، رفض الكل مساعدتي. وقالوا: إنه ولد ضعيف. الأفضل أن يهتم به أهله حتى يقوى عوده أولاً. ولكن من أين لوالدي أن يعرف الرحمة؟!. فهو كالجبل الذي لا يُهدم...عنيد وأناني...وليس هناك عطف في قلبه. وكلما أخبرته إني لم أجد عملاً، ضربني أكثر وأكثر. وكنت لا أبكي، كي لا تسمع أمي المريضة صوتي؛ فتموت حزناً عليّ. فصمتّ...وكنت في قلبي ألعن بحرقة حياتي...وأتمنى الموت، ولكن حزن أمي يمنعني...قائلاً لنفسي: تُرى ماذا سيحلّ بها لو عرفت أني أردت الموت لنفسي؟...ستظنّ أنها السبب...وأن مرضها وعجزها جعلاها أماً ضعيفة لا تقوى على حماية طفلها. لقد كنت طفلاً مُعذّباً. صحيح أن هذه المعاني لم تكن واضحة لي...كما هي الآن...لكنها كانت كلها تؤلمني. وبعدها بدأ والدي يُجبرني على التسوّل في الطرقات من أجل شراء الدواء لأمي. وفعلاً بدأت أتسوّل. وكلما أعطاني أحد الميسورين مالاً، أخجـل جـداً...فتنزل دموعي...ولا أعرف ماذا أفعل أو أين أختبئ...وأشكره في قلبي، لأن صوتي كان يختنق في صدري. وعندما كانوا يسألوني: لماذا تتسوّل؟ أجيب: أريد ثمن دواء لأمي المريضة. فكان البعض يضحك ويستهزئ بي، ويتّهمني بالكذب...والبعض الآخر يحنّ عليّ. هكذا قضيت سنيناً طويلة من حياتي. أما والدي فكان دائم الاهتمام بنفسه...بلباسه...وأصدقائه. وأنا وأمي ننام في غرفة باردة. ولكن أحياناً كثيرة كانت تلفّني بغطائها؛ رغم مرضها، قائلة لي: أنا أحس بالدفء...وإذا بردتُ سوف آخذ الغطاء عنك. ولم أكن أحس حتى الصباح. وعندها أجدها أُصيبت بوعكة صحيّة بسبب البرد. فأندم...وكأني مذنب!...ولا أعرف ماذا عليّ أن أفعل. ثم أخرج إلى الطرقات وأتسوّل باكياً حتى آتيها بشيء دافئ، أو قطعة حطب، أو علبة دواء. ولكن أبي لم يكن يرحمنا أبداً. سألتها مراراً كثيرة: أمي...لمَ هو كالصخر؟. فكانت تُجيب: أخشى أنك عندما تكبر تصبح قاسياً مثله. ولكن عندها تذكّرني، يا ابني...وليّن قلبك...واعرف أني أحببتك. أما هو فلم يجد من يحبّه...لذلك هو كالصخر. فأسألها: وأنت يا أمي...ألا تُحبينه؟ قالت: نعم...وكان هو يحسّ بحبّي له...فأخذ يليّن قلبه. ولكن عندما مرضتُ، صار حبي عاجزاً عن إسعاده...فرذله...وبحث عن السعادة خارج البيت. أذكر عندما وُلدتَ أنت، رأيته للمرة الوحيدة يبكي...ودموعه بلّلت وجهه...فتخيّلت أنه سيحبّك بجنون. ويوماً بعد يوم، عادت قسوته وسواد عمره يُخيّمان على قلبه...فلم يستطع أن يُظهر حبّه لك...لكن أظن أنه لا يزال يُحبّك. وبعد سنين قليلة، ماتت أمي بين يديّ. وقبل رحيلهـا، همست في أذني: لا تنسى أني أحبّك جداً...وأشكرك لأنك، رغم طفولتك البريئة وجسدك النحيـل، خدمتَنـي ورعيتني...أنا من كان عليّ رعايتك. ثم أغمضت عينيها. فصرخت بصوت عالٍ: لمن تتركيني يا أماه؟!...لمن تتركيني يا كل أهلي وكل أصدقائي وأحبّائي؟!...للتسوّل والطريق؟!...لا...لن أتسوّل بعد اليوم...ولن أطلب معونة من أحد...تركتِني لأبي الظالم؟...سوف أهرب منه...وأُعاقبه بأن لا يرى وجهي للأبد. بكيت بكاء مراً...ثم هربت ولجأت للبحر...فأحسست أن البحر يفهمني...فكان صديقي الوحيد...أشكي له همومي...إلى أن وجدت عملاً على ظهر إحدى السفن، فرحت أنظّف أرضها. وكان هذا العمل شاقاً جداً على صبيّ مثلي. ولكن إصراري، والنقمة في داخلي على الحياة، أعطتني قوة على أن أتحدّاها؛ لأعرف ما سرّها وماذا تريد مني حتى تعذّبني هكذا. بدأت أُراقب البحّارة وأتعلّم أساليبهم وطرقهم خفيةً حتى أتقنتها. ثم أصبحت بحّاراً على هذه السفينة. وعندما سمعت للمرة الأولى عن يسوع الناصري، أردت أن أتبعه. ولكن النقمة التي في داخلي منعتني. كان حزني وألمي عميقَين جداً، فاختنقت كلمة الرب. ثم حاولت أن أعيش كالسابق، لكني لم أستطع. فقد صرت مُعذّباً أكثر...لا أعرف ماذا أفعل. لا أقوى على الحياة...كبحّار هائم لا يريد إلا أكلاً شهياً، وخمراً لذيذاً، وسفراً ملؤه المغامرة فأُرضي غروري. حتى أن أشدّ العواصف التي واجهتنا لم أخفْها، بل تحدّيتها غير طالب معونة أحد. هكذا عشت سابقاً. ولم أستطع أن أقبل دعوة الرب فأُغيّر مجرى حياتي وأسامح والدي على ظلمي وإهمال أُمي. وعندما رأيتك، تساءلت مرّات كثيرة: تُرى هل هو إنسان لم تُواجهه الهموم والمشاكل يوماً حتى تغمره السعادة هكذا؟!...هل اختار المسيح لأنه أعطاه كل شيء: الأهل والأصدقاء والحب والاحترام؟. لقد عذّبتني صلاتك النابعة من قلبك. والغريب أني بدأت أُحسّ بألم في كلماتك، فاستغربت. وبعدها عرفت مدى شوقك وحنينك وحرقة قلبك على أولادك...حتى احترتُ! ثم تجرّأت وصارحتك بأن صلاتك قد عذّبتْني". تنهّد يوحنا وقال: "ولمَ رميتَ نفسك بالماء بعد أن بدأت تقترب من الله وعرفتَ مدى حُبّه الكبير لك؟". قاطعه الرجل: "هذه هي المشكلة. عندما أيقنت كم يُحبني، أحسست بأخطائي تُفتّت عظامي. فقد فعلت الكثير من الأفعال القبيحة التي لا يعلم بها أحد إلا هو...فكيف أُداريها عنه الآن!؟. كنت وحيداً لم يكن هناك من يخاف عليّ، أو ينتظر عودتي بعد كل رحلة، أو يفتقدني برسالة...وبالمعنى الأصحّ: لم يكن هناك من يحبّني ويهمّه أمري. لذلك أحببت نفسي...وعشقت المال والبحر والسفر. وها أنت أتيت لتُخبرني أنه يوجد من يحبني...ليس مجرّد إنسان، بل إله، يرقبني ويرى كل أعمالي، ويفحص نواياي ويكشفها...إله يرى دموعي؛ فبذل نفسه كي يرحمني من عذاب ذنوبي...فكيف أستطيع الاحتمال؟. لذلك أردت الموت كي أرتاح. لمَ يُحبّني، وقد رذلني الجميع؟!...لمَ يخاف عليّ، ولم يخفْ عليّ أحد إلا أُمي؛ وقد رحلتْ؟!. أردت أن أرمي نفسي بالماء كي أموت فأذهب إليها وأُبشّرها، قائلاً: لقد قلتِ لي إنك أحببتِني...ولكن قد عرفت أنه يوجد من أحبّني أكثر...خلقني ورعاني...وأراد أن أكون معه...فلمَ لم تخبريني عنه منذ الصغر؟...ولمَ لم يُخبرْكِ الآخرون عنه؛ لربما شفاك، أو أسعدك رغم المرض؟. لقد أحسست، يا يوحنا، أنها الوحيدة التي ستفهم ما في قلبي؛ فارتاح. ولكن السيد ناداني: تعال...لا تخفْ!. فدخل السلام قلبي، وأردت بكامل طاقتي أن أذهب إليه. لكن البحر، الذي شوّهني وسرق صدقي وصبري وشبابي وقوّتي، أرادني له فقط. البحر كان الوحيد الذي أحببتُه، فرفض أن يحرّرني فأنطلق إلى الإله الذي أحبّني. ولضعفي أطعت البحر من جديد، وأعدت يدي مستسلماً للموت". فقال يوحنا: "من رذلك، لم يرذل إنساناً، بل الله الذي أعطانا أيضاً روحه القدوس . فالرب الذي يعلم بكل ألمك، دعاك للحياة فيه من جديد. فكُنْ قوياً، صابراً، وصامداً أمام بحر الأهواء والتجارب...واثبتْ في طريق المسيح، فيكون لك أباً أخاً وصديقاً، ولن يُهملك أبداً". وجاء القبطان، فرأى رَجُله القوي مستلقياً على فراش بعد محاولة الانتحار. فضحك، وقال: "كم قاومتَ الموت طوال تلك السنين!...والآن أردتَ أن تذهب إليه بقدميك؟!. يا لهذا الزمان كم هو غدّار!. عليك أن تتقوّى، لأن يوحنا لديه الكثير ليخبرنا عنه". ثم وجّه حديثه ليوحنا: "رغم أني القبطان هنا منذ سنين كثيرة، إلا أني لا أعرف عن رجالي الكثير. فلا أحد يحكي للآخرين عن آلامه. فقط نتقاسم السهر والعمل دون أن يحاول أحدنا الاقتراب من الآخر وسماعه. كم نحن قساة القلوب!...لقد عشنا في وحدة قاتلة...مع أن البشر هم بقربنا!. فلو فتحنا قلوبنا، كُنّا سنجد أصدقاء لنا. الصديق ثمين كلؤلؤة البحر، يخفّف الألم، ويحمل مع صديقه همومه ومشاكله...فتغدو أسهل وأبسط. الصديق يجد حلولاً لا يراها صاحب المشكلة. فلمَ قضينا عمرنا بهذه السطحية واللامبالاة!". مرّت أيام كثيرة كان يوحنا يشرح لهم فيها الإنجيل المقدس. وعمِل الروح القدس بداخلهم، فقوّى ضعفهم ومنحهم فرحاً وسلاماً من نوع جديد لم يختبروه من قبل. أما القبطان، وكعادته، كان يُدخّن غليونه كل مساء في زاوية بعيدة مـن السفينـة يُناجي أحداً قد أخذه البحـر منه، ويُخبره بكل ما يجري معـه. وفي ذاك اليـوم، سمعه يوحنا يقول: "أيها البحر الذي سلبني الغالي...أريد أن أُخبره الآن أني وجدت خالقاً لي وإلهاً غيرك، أيها البحر الهائج مرّة والصامت مرة أُخرى. أَخبرْه أني عرفت أنه ربما هو هناك مع الخالق الذي أحبّني...فلماذا لم يُخبرني طوال تلك السنين؟!...ظننت أنه في أعماقك رهينة...والآن عرفت أنه ربما مع السيد...وربمـا سيكون وارثاً في ملكوت أبدي كله سلام ونور وصفاء". وعندها التفت، فرأى يوحنا. فلم يكترث كثيراً، بل تابع قائلاً: "تعال يا يوحنا...تعال اسمع. ابني الصغير...ظننته رهينة بيد البحر. ولكنك أخبرتني أن الله يحب الأطفال، ويُسرّ أن يُعطيهم الملكوت. هذا يعني أن ابني عنده. كان طفلاً جميلاً. أخذته من أُمه، وقلت لها: أريده معي في هذه الرحلة القصيرة والجميلة...فيجب عليه أن يتعوّد على البحر كي يُصبح قبطاناً مثلي. فقالت: لا...لا...إنه طفل صغير...وأنت قاسي القلب. ربما تُهمله وتتركه هنا أو هناك على ظهر السفينة، فيحدث له مكروه. لا أجرؤ على تركه معك في رحلة من رحلاتك الخطرة. أجبتها غاضباً: ما هذا الكلام؟...إنه ابني الحبيب. سأحميه برموش عيوني...فلا تخافي. إني قبطان ماهر. وأخذته رغم عدم موافقتها...ورغم بكائها. وحاولت الاهتمام به ورعايته جيداً. كنت فخوراً به أمام رجالي...وأمام المسافرين. كانت رحلة رائعة وهادئة. ولكن في لحظة...وبينما هو يلعب على ظهر السفينة...وأنا أقوم بشدّ حبال الشراع في الأعلى...أتت موجة...وأمام عينيّ أخذتْه. رأيته يذهب. صرخت...ولكن أحداً لم يُنجده. قُتلت ألماً...اختنق صوتي. وفي لحظات، رحل وحيدي. صرت ألطم وجهي...وألطم...وألطم. ولكن صغيري ذهب مع البحر. ويومها تركتني أُمه...وصرت وحيداً. وقسي قلبي أكثر من الصخر. وكـل مساء آتي لأُناجي البحر...علّه يُشفق عليّ ويتركني أراه...ولو للحظات...أو أسمع صوته...ولو من بعيد. فأنا ظننت البحر إلهاً قد أخذ حبيبي، لأنه أحـبّ طفولتـه وجماله وابتسامته العذبة...وشعره الناعم...ويديه الصغيرتين. وحين سمعت يوماً عن الله، قلت لنفسي: لو أنه صحيح يوجد خالق مُحبّ للبشر، لما كان رضي أن يموت صغيري. لذلك رفضته...كي لا أقبل أن إهمالي كان سبب موته...وأنه عليّ العيش بطريقة مختلفة...فأجعل قلبي يرقّ ويحنّ...وأُكسّر الصخور من على بابه...فأقوم مع المسيح. أما الآن...فأنا مستعدّ لهذا. قد أخبرت البحر أن ابني ليس عنده...وأني عرفت أنه هناك مع السيد. سأعيش مع الرب بقية أيام حياتي...واضعاً ثقتي فيه...ورجائي وأملي...فيه قوّتي.. .وهو سينصرني ويساعدني لعمل الخير... حتى نهاية عمري... فأذهب إلى حيث يوجد ابني. آه يا يوحنا...كم أفتقده!...وكم أحلم به عائداً إليّ!. والآن عرفت أنه يوجد آبٌ سماوي قد افتقدني أيضاً وانتظر عودتي إليه. لقد أحبّني كثيراً للغاية...أكثر من محبّتي لابني بمرّات لا حصر لها. فكم كان ألمه عظيما عندما كنت بعيداً عنه طوال تلك السنين!. لقد صار لي أباً سماوياً...وصار لي مُعزّياً...وصار لي مُخلّصاً...بعدما كنت وحيداً. إن الوحدة قاسية جداً...علّمتني العنف والغضب. والآن أنا في حضن ربّ حنون سيعلّمني الرأفة والرحمة والمحبة. أشكرك يا يوحنا لأنك ساعدتني أن أراه. وها أنا أُبشّرك أنه غداً صباحاً سترى من بعيد المكان الذي تقصده. إنه وقت قليل وتصل إلى أحبّائك...وتنسى هذه السفينة...ومن قابلت عليها...وكل ما حدث هنا...أليس كذلك؟". أجاب يوحنا: "لا...لن أنسى...لأن وجودي هنا كان له فائدة ومعنـى. هنا عرفـت معانٍ كثيرة للألم...واكتشفت أنني لم أكن الوحيد الذي احترق بناره...ورأيت كم هو لذيذ طعم الرجوع إلى أحضان الرب. أنا أيضاً كنت بعيداً عنه...أعيش في ترف وغنى. لكنه ناداني...فذهبت إليه. عرفته عن قرب. وكل الجرأة والحماس، والقوة والصبر، تعلّمتها هناك في حمى السيد...الذي لم يتركنا، رغم ظلام حياتنا. وقد دعاني لنقل البُشرى. وأنا أيضاً...مثلك...تنتظرني حياة جديدة. وفي كل لحظة، عليّ أن أرفض الشرير، كي لا يجرفني ويعيدني إلى ما كنت عليه. وعليّ، في كل لحظة أيضاً، أن أقبل المسيح. لقد خسرت الكثير...البعض بإرادتي...والبعض بغير إرادة. ولكن المهم أني حسبت كل خسارة من أجل المسيح ربحاً لي...وحسبت كل ربح بعيداً عن فاديّ، خسارة. علينا أن نكون أقوياء به...نستمد منه القوة، فنقف كالجبال أمام التجارب. وثقْ أنه سيُعيننا، لأنه صخرة حياتنا التي تسندنا. ابحثْ من جديد عن الحُب. شيّدْ بيتاً جديداً على هذه الصخرة. ولا تخفْ من أي عاصفة...بل باسم الرب أؤمرها أن تهدأ، فستسكن. انتبه من المياه الخفيفة التي، من دون أن تشعر، تجرّك إلى تيّار أقوى وأقوى بعيداً عن المسيح...بل قاومْ الأخطاء الصغيرة، فتنتصر على الكبيرة منها بسهولة. اسعَ لكسب الفضائل...قليلاً قليلاً...فتُصبح كالشجرة التي تُعطي ثمارها في حينها. لقد آمن واحد فقط من رجالك، والباقون رفضوا أن يسمعوا الكلمة. فإن كانت دعوة الرب لك أن تُبشّرهم، لبِّها بقلب فرِح وشجاعة...واشهدْ لكلمة الحق التي هي كالشمس الساطعة تُشرق على القلوب الصغيرة...الخائفة...المسكينة...اليائسة والحزينة...المتألّمة...والفرِحة أيضاً. أما تلك الغنيّة والمُتكبّرة...المتسلّطة والمغرورة لنُصلّي لها لأنها خسرت النور والفرح الغامر، دون أن تتذوّق طعمها الطيّب. رجالك الآن سينظرونك، ويرون أفعالك، ويُمحّصونها بالنار. فكنْ حكيماً وصادقاً، واتبع المسيح؛ فهو سيُرشدك. مُتّحدين دائماً...كلنا...بمحبة المسيح...في الضيق والفرج...في الشدة والألم...في الحزن والمرض...جسد واحد لمُخلّص واحد...لأنه لا شيء يقدر أن يفصلنا عن محبة المسيح...لا سيف، ولا خطر...لا حرب، ولا جوع...لا كوارث، ولا موت أو حياة...ولا سلطان. لنعشْ للمسيح، ومعه وفيه. ولتكنْ حياتنا رائحة زكيّة كالبخور أمامه". ترك يوحنا القبطان، وعاد إلى غرفته. ولم ينمْ، بل انتظر الصباح أن يحمل له نسيم المزارع، ورائحة الورود، وصوت البلابل والعصافير التي اعتاد سماعها. لقد كان في السابق يختلي بنفسه قرب الشاطئ، ويفكّر في كل أملاكه، ويقول: ’آه...كم أنا محظوظ!...لديّ كل شيء. ومهما عشت مُترفاً، يبقى عندي أموال طائلة تكفي لأولاد أولادي. لأتنعمّ الآن، ولا أخشى الغد‘. تذكّر يوحنا تلك الأحاديث وما كان يدور في ذهنه. وللحظات أحسّ أنه صار هناك...في ذلك الزمن...قبل سنين. وتلك المشاعر أرادت أن تقبض على قلبه وتخنقه؛ كي يعود فيُحسّها ويتلذّذ بها. لكنه هرب منها سريعاً...مُذكّراً نفسه بخطاياه، وبرحمة السيد، له المجد، قائلاً: "كم كنت تائهاً!... كنت ضالاً؛ فوُجدت...وميتاً؛ فعشت بمحبة القدوس". إن الذكريات تكون أحياناً كثيرة أخطر على النفس من وقت حدوثها...لأنها تغدو كالقفص، وقلوبنا كالعصافير سجينة فيه. بل إنها تكاد تُغلق القفص عليها...وأحياناً تحجب عنّا النور؛ فيُصبح كل ما حولنا كئيباً وغامضاً وحالكاً. ولكنها لا تتركنا، بل تحاول أن تمنع عنّا الهواء؛ فنُحسّ بالاختناق. وإلى أين نهرب وقد سجنتْنا؟. ولكن ليوحنا فرح جديد بالرب، وقوة فيه...يُحطّم بها مثل هذه الأسوار الخيالية، التي هي من صنع الماضي الذي لا يهدأ...والشر الذي لا يركن. فهو يريد اصطيادنا من جديد، وجذبنا مرة أُخرى إلى حياتنا السالفة. وكيف يكون حال قلوبنا هناك في عالم الظلام؟!...لا يهمّها قذارة المكان، أو رائحته، لأنها تدنّست بالخطيئة. لذلك قال الشيخ الكاهن مرة ليوحنا: "إن المسيح وُلد في مذود فقير...حتى أنه إذا اقتربت نفوسنا الخاطئة من المذود، لا ترى علف الشهوات، بل خبز الحياة؛ الذي هو الرب يسوع". وفي الصباح، رأى يوحنا الشاطئ من بعيد. فرح، وذهب مُسرعاً إلى حيث الطبّاخ...الذي أحسّ بالحزن لانتهاء الرحلة. لكن يوحنا قال له: "عليك أن تكون فرحاً، لأن الرب يحب الفرحين. وقد افتقدك. فهلمّ افرح معي، لأني وصلت إلى وطني". ثم أسرع إلى البحّار الذي كان ينتظره مبتسماً. وسأل يوحنا: "هل ستسافر معنا مرة أُخرى؟". أجاب: "إذا أراد المسيح، فلن أتردّد". ثم ذهب ليُخبر المرأة العمياء وأولادها بأنهم سيُرافقونه إلى مكان آمِن وأصدقاء طيّبين. وهكذا وصلت السفينة. فقال له القبطان: "لن أُودّعك...لأننا سنلتقي يوماً من جديد، بمشيئة الرب يسوع". |