|
|
الفصل التاسع
|
مشى يوحنا في طريق العودة وهو يحسّ باللهفة الكبيرة لأهل بيته بعد كل تلك السنين. وفكّر ما عسى أن يفعل بأمواله...وكيف سيوزّعها...وكم ستكون فرحة الفلاحين، عندما يقسم أراضيه عليهم...وخدمه، عندما يحرّرهم!. وعندما يسألونه لمَ تفعل ذلك، ستتهيّأ الفرصة ليخبرهم عن محبة الرب وافتقاده لهم. وبينما هو متفكّر في كل تلك الأمور، هاجمه اثنان من الأشرار...فالشرير كان يريد إيقافه عن المضي في طريق الصلاح. فأخذوا يضربونه ويلطمونه، ويهزؤون به. ويقولون : "لماذا أنت صامت؟!...فإن كنت حقاً تؤمن بالكتاب الذي تحمله، فلمَ لا ينقذك إلهك من بين أيدينا؟!". وتابعوا ضربه حتى جرّحوا جسده. ولكنه لم يُجبْهم بكلمة. وفجأة أتى شاب قوي البنية جداً، طويل وعريض المنكبين. واستطاع أن يخلّص يوحنا منهم بسهولة. فولّوا من أمامه هاربين. وأتى الشاب وأمسك برأس يوحنا بين يديه. وشقّ قميصه، وضمّد به جراحه. ثم حمله إلى بيته القريب. وبعد أيام قضاها يوحنا متألّماً ومحموماً من جراحه، أتى الشاب وجلس بقربه، وسأله: "ماذا كانوا يريدون منك وأنت لا تملك شيئاً إلا هذا الكتاب؟ هل ظنّوا أنك تُخفي أموالاً؟. والغريب أنهم ضربوك بطريقة تنمّ عن حقد وغلّ. وكأنهم يريدون الأخذ بثأر قديم!. لقد كادوا يقتلونك أيها الرجل المسكين". فقاطعه يوحنا: "ولماذا تدعوني مسكيناً؟". قال الشاب: "من عيونك التي تبرق ببريق خاص وجميل ومن وجهك الصافي أرى أنك إنسان مسكين. فما قصّتك؟". بدأ يوحنا الحديث: "أشكرك أيها الشاب، لأنك رغم عدم معرفتك لي أنقذتني مـن أيدي الأشرار وضمّدت جراحي. أحب أن أسألك، هل تعرف شخصاً اسمه يسوع؟ وهل قرأت يوماً كتاب الحياة الذي هو الإنجيل المقدس؟". أجاب الشاب: "لا. لم أسمع بهما من قبل. ما هذه الأسئلة الغريبة؟". فقال يوحنا: "هؤلاء الأشرار أرادوا تعذيبي ثم قتلي، لأني أؤمن بإله أتاني عندما كانت الخطيئة تضربني وتشوّه قلبي وجسمي. فحارب عني، وانتصر على الأشرار، ثم ضمّد جراحي. وحملني على منكبيه، ومشى بي إلى بيته. كما فعلت أنت". فوجئ الشاب: "ماذا...الله أتى وفعل بك ذلك...وتشبّهه بي؟! إني لم أفعل شيئاً سوى أني ضربتهم بيديّ القويّتين، وحاولت وقف نزيف دمائك، وأتيت بك إلى بيتي. إنه عمل إنساني. أظن أنه على كل إنسان أن يقوم به إذا ما رأى إنساناً آخر في الطريق بهذا الموقف الحرج. فلا تبالغ بمدحي". قال يوحنا: " إني لم أبالغ. لقد ضربوني، لأني أحمل كتاب بشرى الخلاص. كلمة الله الذي أنقذني، وكل ما عمله ووعد به، وكيف مات لأجلي. لقد أحبني، فحلّ كل قيودي". فقاطعه الشاب، قائلاً: "أتقصد أن هذا الإله الذي خلّصك من الخطيئة قد مات؟...وهل يموت الله؟! إني لا أؤمن بوجوده، ولكن أعتقد أنه إن كان موجوداً فلن يموت، بل سيبقى حياً إلى الأبد". أجاب يوحنا: "نعم، إنه حيّ إلى الأبد. لقد مات بالجسد من أجل خلاصي. ولكن بعد موته ودفنه بثلاثة أيام، قام من الموت وكسر شوكته، منتصراً على الشرير، وفاتحاً أبواب الحياة من جديد. أنت ساعدتني لعواطف إنسانية نبيلة. أما هو فقد فداني بمحبته الكاملة لي. وليس لي فقط، بل لكل البشر. فأعطى حياة أبديـة لكل من يؤمن باسمه". فقال الشاب: "كم هو جميل ما تقوله! أتمنى لو أستطيع تصديقه. أتعلم أيها الرجل الغريب، إني أحسّ بقربك مني. وإني فرِح لوجودك في بيتي، رغم أن الظرف كان مؤلماً. وإن أردت ما في قلبي، أعتقد أني إذا آمنت بما قلت، ستكون حياتي ثمينة أكثر عندي...ولوجودي سيصبح معنى أعمق...ولأعمالي قيمة أكبر. انظرْ. لقد درّبت عضلاتي. وصرت رياضياً قوياً مفتخراً بنفسي. لأني نظرت إلى هذه الدنيا، فوجدتها فارغة. سنعيش سنيناً معدودة، وبعدها نموت. ففكّرت منذ حداثتي، قائلاً لنفسي: ما دمنا كالحيوانات نعيش فترة من الزمن ثم نموت، فلمَ لا نكون أقوياء في هذه الغابة؟ لأن قانونها هو ’القوي يقتل الضعيف‘. لذلك سعيت جاهداً أن أكون قوياً وصلباً. وأحسست أن العواطف تُضعف الإنسان، فغلبتها. صرت قاسي القلب. ولكن بعد حين، رأيت أن الطيور والحيوانات تسعى أن تعيش بأمان، مدافعة عن أبنائها...حتى أنها يمكن أن تموت في الدفاع عنها. فقررت أن أكون صالحاً...بمعنى أن أرفض كل ما لا يمليه عليّ ضميري، وأن أكون إنساناً يحمل مشاعر إنسانية نبيلة، يكره الظلم ويسعى للخير. ولم أكنْ أصدّق أنه يوجد إلهٌ في العالم، لأن الإله هو رمز القوة. وأنا أرى القوة موجودة في كل شيء...ليس في الشمس والنجوم ولا في الحيوانات المفترسة فقط، بل أيضاً في جمال الزهور...وصوت العصافير...وخرير المياه. كلها وجوه للقوة، ولكن من مصادر مختلفة...كلها تعطي الحياة جمالاً وقيمة. فأقنعت نفسي أن القوة هي فيّ أيضاً. وأنا يمكن أن أكون إله نفسي عندما أكون قوياً. لذلك فأنا، بجسدي القوي، أحمي نفسي ومن أحب، وكل من أصادفهم في طريقي مثلك". فقال يوحنا: "نعم، إن القوة موجودة في كل شيء. وقوة الله في الضعف تُكمَل. لأن قوّته في محبته. والمحبة هي الطاقة العظمى التي خلقت وأحيت وجدّدت. وهي التي تملأنا فرحاً وتعزية. وإن كنتَ ما زلتَ تجهلها، لكنها السبب في فرحك. وعندما تحس بالحزن، يكون السبب نقصانها...رغم أن جسمك لا يزال قوياً. وعندما يعتريك المرض، يدافع عنك جسمك القوي. ولكن توجد قوة أيضاً هي التي تحميك. فكثير من أصحاب البنيان القوي قد انهاروا تحت ثقل المرض...أو الحزن...ولم تستطع قوّتهم أن تحميهم". أجاب الشاب: "نعم، هذا صحيح. وهذا ما أقلقني. فإن الوردة تكون جميلة وشابّة، ورائحتها عطرة. وفي الصباح تذبل، وربما تُقطع وتُلقى في الطريق. هكذا الإنسان، ربما يكون اليوم قوياً، وفي الغد يصبح ضعيفاً لا يقوى على الحراك". وتابع يوحنا كلامه، قائلاً: "إن قوة الله الذي أحبّنا هي متميّزة. فهو ارتضى أن يُجلد...ويُهان...ويُضرب...ويُتوّج بإكليل الشوك...ويُعلّق على خشبة من أجل أن يهزم الذي هزمنا. أما قوة الجسد فهي محدودة ضعيفة ليس لها أفق كبير. فأنت مثلاً، ترفض أن تُجلد أو تُضرب أو تُعلّق على خشبة من أجل أحد أحبّائك. وإذا أذاهم أحد ما، تُسارع لضربه...وربما لقتله! لذلك فإن قوة الرب ليس لها حدود، لأنه اختار أن يحب بلا حدود". أجاب الشاب: "بدأت أحس بضعف جسدي أمامك أيها الرجل الغريب. فلماذا؟...أتُراني بدأت أصدّق كلامك عن إلهك المتميّز، أم أني أحببت الحديث عن المحبة؟ فطالما أحسست بحاجتي لإنسان يحبني دون أن ينظر لقوة جسدي، ويقبلني كما أنا...بأخطائي وضعفاتي. إن في قلبي عطش قديم لحُب كبير. وها أنت تخبرني عن الله الذي أحبّك حبّاً عظيماً حتى أنه مات من أجلك…إني أحسدك على إيمانك هذا". ابتسم يوحنا: "لكنه لم يمتْ من أجلي أنا فقط، بل من أجلك أيضاً، لأنه يحبك أنت أيضاً. وهو الذي خلقك، ويعرف أنك لن تستريح إلا فيه. لنقرأ معاً فـي كتـاب الحياة. وسأساعدك على فهم فصوله". قضى يوحنا مع الشاب أياماً وليالٍ في قراءة الإنجيل وتفسيره لـه...وفي حديـث عميق عن الله ومحبته للبشر...وعن تجسّده وفدائه لنا على الصليب. وأخبره أيضاً عن حياته السابقة، وكيف قبِل الرب وتجدّد بنعمته. وكان الشاب قد فتح قلبه وأذنيه لسماع كلمة الله، حيث بدأ الإيمان يدخل إلى قلبه. وصار يرى للحياة لوناً جديداً...حيث كان الروح القدس يعمل فيه ويغمره بنوع جديد من الفرح. وبدأ يشكر عناية الرب له التي سمحت أن يلتقي بيوحنا. وكانت أمّ الشاب تخدمهم، وتسمع الكثير من كلام يوحنا. مصغية بانتباه، ولكن بحزن شديد. وطالما رأى الدموع تنهمر من عينيها، خاصة عندما يتكلّم عن درب الآلام التي مشاها الرب بإرادته لخلاص نفوسنا. وكانت دائماً تخدم بصبر وتواضع، أو تنسج بيديها ثياباً توزّعها على الأطفال الفقراء. وقد علم يوحنا أن للشاب أُختاً صغيرة مشلولة. وكثيراً ما كانوا يذهبون إلى غرفتها التي تقع في زاوية البيت المطلّة على الحديقة. وكانت الطفلة تحب الطبيعة جداً. ودائما تجلس تراقب الورود كيف تتفتّح...والعصافير كيف تطير. ورغم ألمها ومرضها، وانفصالها عن العالم الخارجي، إلا أنها سعيدة. فهي تقضي معظم أوقاتها تردّد بعض أغنيات الطفولة التي حفظتها. أما أمها فقد غلبها حزنها، وذلك لأنها تظن أنها السبب في إعاقة طفلتها. ولهذا فهي دائماً تنسج الثياب وتوزّعها على الأطفال المشرّدين. وبهذا تحاول أن تنسى ألمها وضيق نفسها. ومرة تكلّم يوحنا مع الشاب، وقصد أن تسمعه الأم. تحدّث عن المسيح الذي حمل آلامنا وأتعابنا، وأرادنا أن نكون فرحين فيه وواثقين أنه معنا...وأن كل الأشيـاء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله. فالألم والضيق يُنشئان صبراً...والصبر تعزية...والتعزية فرحاً بابن الله. فهو الراعي الصالح الذي يهتم بالجميع ولا ينسى أحداً، بل يترك التسعة والتسعين خروفاً ليبحث عن الضالّ". وعندها صرخت الأم بصوت عالٍ...ولأول مرة تتدخّل بالحديث عن الرب يسوع، قائلة: "أنا أؤمن بيسوع الناصري الذي تبشّرنا به إن استطاع هذا الذي تدعوه ابن الله أن يشفي لي ابنتي المسكينة، ويجعلها تقفز وتلعب مع الأطفال الذين في مثل سنّها. ويومها أنا مستعدّة أن أهب كل طاقتي وعمل يديّ لأنادي باسمه". وأخذت تبكي بحرقة، مكملة كلامها: "إن ابنتي طفلة معاقة. تسألني لمَ لا تقوى على الركض واللهو. وأقول لها أنه سيأتي يوم وستستطيعين. ولكن ذلك اليوم قد تأخّر جداً. وأنا نفسي ما عدت أقوى على احتمال رؤيتها عاجزة أمامي، فكيف هي؟! لا بدّ أن قلبها الصغير يتقطّع ألماً وحسرة. عندما أنظر في عينيها، أحسّ ببريق من الحزن يخترق قلبي ويمزّقه. وكأنها تناديني: أمّاه، هلمّ ساعديني كي أمشي. فإن كان هناك إله يهتم بنا ويريدنا أن نحيا بفرح، فليساعدْنا ويشفينا! أنت قلت أنه شفى الكثيرين من عمي وصمّ وبرص ومشلولين، وأقام طابيثا الصبية الصغيرة، وكذلك لعازر بعد أربعة أيام من موته. فليساعدْ ابنتي المريضة ويشفيها". صمت يوحنا قليلاً، وصلّى في قلبه، سائلاً الرب: "هلمّ تكلّم فيّ. فلساني عاجز عن إجابتها. لأن مرارة صوتها قد جرحتني. فماذا أقول لها، وبماذا أعزّيها؟ ساعدني أيها السيد. ودعْ روحك القدوس يتكلّم". ثم بدأ يحدّث الأم: "أيتها الأم الحزينة. أريد أن أُخبرك عن أُمّ رأت ابنهـا يُجلـد، والسياط تنهال على ظهره، يُلطم ويُهان، ويُهزأ به. رأت إكليلاً من الشـوك يُغرس في رأسه. رأته يسقط ثلاث مرات تحت ثقل الصليب. وبعد ذلك سمعت صوت المسامير تُدقّ في يديه ورِجليه...ثم يُعلّق على خشبة حتى الموت. وهي واقفة أمام الصليب تبكيه بدموع مُحرقة...ولكنها صامتة. كان صمتها عجيباً. لم تصرخ بصوت عالٍ لتقول: لمَ تصلبون وحيدي وفلذة كبدي؟...لمَ تصلبون الإله الذي شفى مرضاكم، وأقام موتاكم؟...لمَ تصلبون الجسد الرقيق الذي كثّر خبزاتكم ولم يترككم تجوعون؟ لكنها صمتت، وناحت بقلب مكسور وهي تُنزل حبيبها وخالقها وفاديها عن عود الصليب لتحمله بين يديها. صمتت الأم...عروس الروح القدس...التي بشّرها الملاك بفرح عظيم بأن تكون أُماً لابن الله العليّ. وها هي تراه يُكفّن ويُودع قبراً! وقالت، كما قالت سابقاً: ليكنْ لي حسب قولك. قبِلت مشيئة الله وإرادته، ولم تتذمّر...ولم تحتجّ...ولم تصرخ: ’إنه ابن الله. كيف يتركه الآب للألم والموت؟...ولمَ يموت ابني فداءً عن الخليقة كلها؟!...ولمَ يموت فلذة كبدي وليس لي سواه؟!‘. لا أعرف ما هي إرادة الرب في ولادة ابنتك مشلولة ومعاقة. لكن بالتجارب المتنوّعة والآلام التي نعرف مصدرها، أو التي نجهله...بالحزن...بالضيق. بهذه كلها يعظم انتصارنا بالذي أحبّنا...يعظم فرحنا بالذي أتى ليدعونا إلى عرسه. فعندما رفض المدعوّون حضور العرس، قال السيد لخدّامه: اخرجوا إلى الطرقات وأحضِروا المشرّدين وغير الأصحّاء...المرضى والمُقعدين...وكل من تجدونه. ولكن كان الشرط لدخول العرس أن يرتدوا حلّة العرس...حلّة الإيمان به. فعندما نرتديها، نعيش في فرح مع المسيح. ولن نهتم إن كنّا معاقين أو أصحاء...أغنياء أو فقراء. فكل ما نملك هو لمجده. كل ما نحياه وما نطلبه هو إرادة الله المقدسة، التي هي دائماً إرادة فرح وسلام وبِرّ. بها تصبح لنا شركة دائمة مع المسيح. أحبّ أن أقول لك إنه إن آمنتِ بالمسيح، سيغفر لك خطاياك. ووقتها لن تتألّمي من كونك سبب إعاقتها. لأن الحقيقة هي أن الرب سمح بمرضها. ومن المؤكّد أن له في ذلك غاية مقدسة في هذا البيت. عندما شفى الرب يسوع المخلّع، قال له أولاً: ’مغفورة لك خطاياك‘. وبعد ذلك: ’قمْ احملْ سريرك وامشِ‘. هذا يعني أن ما يفيدنا بالدرجة الأولى غفران الخطايا. أما الجسد فهو فانٍ، وإلى التراب يعود. إن الرب قادر على شفائها. ولكن إن كانت إرادته أن تعيش هذه الطفلة البريئة في ضيق ومرض في هذه الحياة لكي تربح الحياة الأبدية، فيكون لها حقاً نصيباً كبيراً مع السيد. ستكون كالخروف الصغير المدلّل الذي يحمله على كتفيه، أو بين ذراعيه، أو ربما ستكون قريبة جداً منه فتشعر بالدفء والأمان. فمع المسيح سترقص وتغني وتقفز. إن ألمها هنا هو عربون فرحها الدائم مع الله؛ إذا قبِلته وآمنت به". وتركهم يوحنا، وعاد إلى غرفته. وصلّى من أجلهم، طالباً من السيد أن يغمرهم بالسلام الحقيقي، فيضيء نور إنجيله بيتهم. وفي الصباح، ذهب إلى غرفة الفتاة، وجلس بجوارها وهي تراقب الأشجار والعصافير. فقال لها: "أحب أن أروي لك قصة، فهل تحبين سماعها؟". قالت: "نعم. لقد كان والدي يروي لي قصة كل يوم قبل النوم". فابتسم يوحنا، وبدأ بالقصة: "حبلت امرأة بتوأم، صبي وبنت. وعندما صارت في الشهر السابع، بدأ الولد والبنت يسمعان صوتاً آتياً من دنيا غريبة. وأحياناً كانا يشعران ببعض الآلام. ثم أخذ المكان يضيق بهما أكثر. فقالت البنت للصبي: هل تسمع الصوت؟ أجاب: نعم. قالت: تُرى ماذا يكون؟ قال: ولماذا أنت فضولية؟ ماذا يعنينا ذلك؟ ليكنْ ما يكون. فقالت له: إن ذلك الصوت آتٍ من مكان آخر غير مكاننا هذا. لا بدّ أنه يوجد مكان آخر، ولا بدّ أنه هناك أشخاص غيرنا. وربما كان أحد منهم يهتم بنا ويحبنا. فهذا الصوت يبدو أليفاً وحنوناً. فعندما تهاجمنا هذه التقلّصات، أحس بالاختناق. وعندها أسمع ذلك الصوت يهمس...ومع أني لا أدري ماذا يعني، إلا أنني أسكن وأهدأ. فقاطعها أخوها: إنك تتخيّلين. وهذا الكلام من نسج خيالك. لا يوجد مكان آخـر، ولا أشخاص آخرين. إنه صوت يأتي من حركتنا أنا وأنتِ ومن السائل المحيط بنا. وهذه التشنّجات هي إشارة لموتنا القريب وانتهاء حياتنا هذه. وأظن أننا إذا تعلّقنا بهذا الحبل سننجو…آخ…آخ...لقد بدأت التشنجات تزيد وتقوى. وهكذا انقضى الشهر السابع. وفي الشهر الثامن قالت البنت لأخيها: هل تدري أني أحبك وأخاف عليك، وأناديك بلقب خاص أُحسّه قريباً مني؟! فعندما تهاجمنا تلك التقلّصات، أنظر إليك، وأحاول مساعدتك. وأخشى أن ينقطع حبلك فأفقدك. وعندما تنتهي الأزمة، أرتاح وأحس بالسعادة معك. هذا ما أشعر به أيضاً عندما أسمع الصوت الآتي من بعيد. تُرى هل هنالك أحد ينتظرنا؟ لا بدّ أن يكون هناك من ينتظرنا. هذا الإحساس أحب أن أسميه ’رجاء‘. أجابها الأخ: إني أحس بالألم عندما أنظر حولي. كله ظلام وليل دامس. وهذا السائل الغريب يدخل فمي. وأخاف أن يخنقني في أية لحظة. لا أُنكر أني أخاف عليك أنا أيضاً وأفرح لسلامتك. وإني مثلك أنتظر ذلك الصوت لأسمعه فيُدخل التعزية لقلبي. ولكن أظن أني أوهم نفسي كي لا يقتلني الشعور بالألم قبل الأوان. إنه من نسج الخيال يا أختي. إننا نحاول أن نُقنع أنفسنا بعالم آخر، وبشخص ما ينتظرنا ويريد لنا النجاة. ولكنها ليست الحقيقة. فإنه بانتهاء وجودنا هنا ستنتهـي حياتنا. ولا يوجد أمل أو رجاء. وفي الشهر التاسع، أخذ الألم يزداد. فصرخ الصبي: أختي...أختي...أظن أن النهاية قريبة. وأنه حان وقت الوداع. إني أحبك. لا أدري ما معنى هذه الكلمة وما كبرها، إلا أني أحببتك. فإن نجوتِ، اذكريني. فربما كان رجاؤك هو سبب نجاتك. فأنا لم أستطع التمسّك به. إلا أني أريدك أن تكوني دائماً حيّة في هذا الأمل. فقالت أخته: لا تقل هذا، يا أخي العزيز. لا زال هناك وقت. لمَ لا تتمسّك بالأمل مثلي؟ هذا الحبل هو أمل محسوس. ولكن في داخلنا أمل خفيّ، نحسّه في همسات هذه المرأة. فقاطعها أخوها: وكيف عرفتِ أنها امرأة؟ قالت له: لأنها تُشبهني. أجاب: كيف؟ ردّت البنت: لا أدري. إلا أنها تُشبهني بشيء ما أحسّه في قلبي. عندما يدقّ قلبها كثيراً، نحن كذلك...وعندما تتعب نتعب أيضاً. لا بدّ أنها تحبّنا كثيراً وتنتظرنا بخوف وشوق. فتمسّك، يا أخي، بالرجاء لنراها ونعيش معها. فلا بدّ أن الحياة معها جميلة وسعيدة، وفيها نور. فقال الأخ: ماذا؟...نور؟...وماذا تعني هذه الكلمة؟ أجابت: النور هو عكس الظلمة. فقد صار لنا وقت طويل في الظلمة. وأنا أحب النور، كي أراك جيداً...وأرى كيف هو وجهك...وأرى هذه الأم وعالمها الجديد، فأفرح فيه. ردّ الأخ: هل تتوقّعين أنه يوجد مكان كبير نلعب فيه؟ فهذا المكان ضيّق. وهل يوجد أحد مثلنا نحكي له ما حدث لنا هنا؟ أجابت: نعم. وفجأة ازدادت التشنّجات. فرأى الأخ باباً ينفتح. فصرخ: أختاه...إني ذاهب...الوداع!. فصرخت هي أيضاً: أنظرْ إلى النور...إنه يأتي إلينا...وأنت ذاهب إليه. فلا تخفْ. إني آتية وراءك. وسأراك هناك. ثم لحقت البنت بأخيها، وعاشـا في النور. هكذا، يا طفلتي، قد وُلد طفل وطفلة في هذا العالم. فالبعض يظن أن الحياة تنتهي عند الموت، وعليهم التمسّك بها...بالتغذية الجيدة...والرياضة...والوسائل الكثيرة، للحفاظ على صحّتهم قدر المستطاع. وبعض الناس فقدوا رجاءهم، وأرادوا وضع نهاية لحياتهم بأيديهم. والبعض الآخر أراد أن يملأ قلبه من شهوات الدنيا. ولكن أنا جئت لأبشّرك بحياة أخرى بعد الموت. فمهما كان الألم والضيق هنا، فهناك لا يوجد إلا الفرح والسلام...مهما كان الظلام محيطاً بنا هنا، فهناك لا يوجد إلا نور من نور...هنا الطبيعة جميلة بطيورها وزهورها، وهناك الجمال ليس له حدود، ولا يستطيع بشر وصف روعة المكان وجماله. يوجد من ينتظرنا هناك...هو خلقنا...وأحبنا...وهو يريدنا أن نتمسّك بحبل الرجاء، فنقاوم ونرفض الخطأ إلى أن ندخل العالم الآخر ونمكث معه دائماً. هذا الذي أحبنا هو منحني أقداماً أمشي بها فأُبشّر باسمه...وإن لم يمنحْكِ أقداماً صحيحة، لكنه وهبك صوتاً جميلاً تُسعدين به كل من يسمعك. واسم ذلك الشخص ‘عمانوئيل‘، أي ‘الله معنا‘. وقد أتى إلينا، فشفى الكثيرين من المرضى. ثم مات...وقام...وصعد إلى السماء...وسيأتي بمجد عظيم ليضمّنا إلى فرحه الكبير. إنه طيّب القلب...وديع ومتواضع...يحب الأطفال جداً...ويريدهم أن يأتوا إليه دائماً". فقالت الفتاة: "أين هو؟...أريد أن أذهب إليه...أريد أن أُحسّ بالأمان بين يديه. فرغم كل محبة أمي وأخي، إلا أن قلبي حزين...يتمنى أن يفرح وينطلق مرنّماً، ويطير مهلّلاً". ابتسم يوحنا، وأجاب: "إن الرب يسوع واقف على الباب، ينتظر أن تفتحي له قلبك...وتقولي له: أريد معرفتك، فساعدني...وأحب أن أقترب منك، فخذ بيدي. وهو سيساعدك كي تعرفي كم أحبك، وكم احتمل من أجل هذا الحب. إنه يدعوك لحياة جديدة، فهل تريدين التمسّك بحبل الرجاء؟". أجابت الفتاة: "لقد أعطيت لبيتنا أملاً جديداً أراه في عيون أمي وأخي. وها أنت تزرعه بهدوء في قلبي. وأنا أتقبّله... وأحس بقوة كلامك تدخل إلى أعماقي... وتشدّد عظامي الضعيفة... وتحرّك فيّ رغبة البداية من جديد، رغم الألم والعجز. لكن قلبي ما زال ينبض، وعيوني ما زالت ترى. وصوتي سيُخبر الجميع عما في داخلي. لقد رأيت الضوء آتٍ من بعيد يناديني. وها أنا سعيدة. سأمشي بقلبي لأصل إليه". وعندها دخل الشاب وأمه، وقالوا ليوحنا: "لقد أعدت لها ما عجزنا نحن عن إعطائها إياه. فأخبرنا الآن أكثر وأكثر عن محبة الرب التي تعمل في داخلنا". وبعد أيام، رأت الفتاة حلماً مدهشاً. فأخبرت أمها، قائلة: "بينما كنت جالسة على كرسيّي المتحرّك قرب النافذة وقت المساء، أنارت الغرفة فجأة. ورأيت شخصاً حلواً جداً وكبير الحجم يجلس على عرش كالملك. نظر إليّ مبتسماً، وناداني باسمي. وطلب مني أن آتي إليه. وعندها نسيت أني مُقعدة، ووقفت!. ثم نظرت لقدميّ، فلم أُصدّق أني أستطيع المشي. فطرت فرحاً. وأخذت أرقص كالفراشات. وهو يبتسم لي. ومن نظرة عينيه الحنونة، عرفت أنه يريدني أن أمرح أكثر. وبقيت أقفز حتى تعبت. وأتيت إليه، فحملني وأجلسني في حضنه. وكم كان دافئاً! يشبه حضن أبي الذي رحل. ثم سألني: هل تحبين الركض واللهو، يا صغيرتي؟ قلت له: نعم. ثم أردف قائلاً: وهل تحبين البقاء في حضني؟ قلت: نعم...إنه دافئ جداً. ثم نظر إليّ بحنوّ، وقال: سوف أهبك ما ترغبين، فاطلبي. فكرت قليلاً، ثم قلت له: أريد أن أبقى في حضنك دائماً. فضحك. واستيقظت من نومي سعيدة جداً". فتنهّدت الأم، قائلة: "إنه السيد! فلمَ لم تطلبي منه أن يشفيكِ؟". أجابت الفتاة: "لست أدري. ولكنني أحببت المكوث معه أكثر من الركض والقفز". ثم قبِلت هذه الأسرة الرب. واعتمدوا باسم الثالوث الأقدس. وغمرت تعزية الروح القدس قلوبهم. وبدأوا حياة جديدة في نور المسيح، قاصدين أن يعيشوا معه دائماً. قال الشاب ليوحنا قبل رحيله: "سأُكرّس قوّتي لعمل الخير باسم الفادي الذي صُلب عني. وأمي تحب أن تُكرّس عمل يديها للأطفال اليتامى والمشرّدين...ليس من أجل أختي فقط، بل لمجد الرب. أما أختي الصغيرة ستتعلّم الترنيم لاسمه، لتُخبر الجميع كم هي المحبة حنونة ودافئة...وتعطي قوة ولوناً آخر للحياة!". ودّعهم يوحنا، قائلاً: "إن كنت أتكلّم بألسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبة، فقد صرت نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ . لأن المحبة تثبّت كلام الرب في القلوب، فتكمّلوا بها. ولترتحْ قلوبنا جميعنا لسكنى المسيح فيها، فتهدأ كل عواصف الشكوك والظنون. أوصيكم أن تعيشوا حياتكم بتواضع حقيقي، لأن التواضع كنز ثمين لكل مؤمن. وبه كُرّم البسطاء والمنسحقو القلوب، وتشتّت المستكبرون بفكر قلوبهم". |