الفصل الثامن 
 


مرّت أيام كثيرة على يوحنا. وشيئاً فشيئاً عاد الحزن إلى قلبه. وبدأ فرحه يتراجع. صارت حياته السابقة تعذّبه ليل نهار. حاول الجميع تعزيته وتقويته، ولكن حزنه كان يكبر ويكبر.
ويوماً ذهب إلى القصر الكبير، ومشى فيه حتى وصل إلى طاولة العشاء، إلى حيث كان الشيخ يشرح له رموز القصر. ثم أخذ يُكمل سيره، قائلاً لنفسه: ’لقد تعبت من التفكير، وأخذتني الرياح مرات كثيرة إلى هناك. أتمنّى لو لم أعمل هذا. وماذا لو قبِلت هذا ورفضت ذاك؟...أقضي ساعات وساعات محاولاً أن ألتجئ للزمن، علّه يعود إلى الخلف فأُصحّح ما فعلتُ وأحمي نفسي من إحساس ثقيل بأني كنت مخطئاً بقراراتي، وأنها كانت السبب في انفصالي عنك، يا رب. والآن...كيف أعود؟...كيف أُغيّر؟...ماذا أفعل؟.
لا تتركني، يا من مُتّ على الصليب حُبّاً بي!...لا تتركني لأفكار تنهش في عظامي...وتصوّر لي شروري كم كانت عظيمة...وتُخيّل لي أفعالي كم كانت قبيحة...ونواياي كم كانت مظلمة...وعيوني كيف أُغلقت وغفلت عن رؤيتك!
لا تتركني، يا من تألّمت من أجلي!...فأنا مسكين وبائس ووحيد...كلهم يحاولون تخفيف شقائي، ولكن عبثاً. فأنا شقي منذ وُلدت...رغم كل ما ملكتُ...وما كسبت...وما أضعت...ما سعيت وراءه، وما تركته...ما كرهته، وما أحببته! إلا أني ما زلت شقيّاً. كنت شقيّاً بأفعالي...والآن بأفكاري! هم جنبي، إخوتي، يحاولون حمل أحزاني عني برميها في مستنقع النسيان...لأنك قد غفرتها لي. ويقولون لي: لمَ تعود للوراء وتعيش سجين الأمس...والرب قد أعطاك الغد...ومنحك الحريّة...والدفء...منحك دمه وجسده، رغم خطاياك التي غفرها لك...كي تعيش في حضن رحمته، أميناً لمحبته؟. فما بالك نراك تُمسك بأهداب الذكريات وتجرّها نحوك، معيداً حبك شباكها، ومحيطاً نفسك بها...كعنكبوت أراد أن يصطاد، فتربّص بفريسته وأحاطها من كل جهة وجذبها إلى شبكته...وعندها ضحك ضحكة الانتصار؟. ولكن هذه التي تريد صيدها هي نفسك...فكُنْ رحيماً بها، واعتقها من عبودية أفكارك، وامنحها الحرية بالمسيح. فهي تريد العيش معه بسلام أكيد. فهو قد أُهين...ولُطم...وتعذّب...كي يخفّف عنك ثقل همومك وأحمالك.
إخوتي يقولون لي، أيها الحبيب الفادي، أنك رغم كل أوساخي قبلتني، وألبستني ثوباً أبيض نظيفاً...وأنك، رغم كل ذنوبي، قبلتني وأعطيتني خاتم المُلك...كي أرث يوماً معك في ملكوتك الذي لا غشّ فيه ولا مكر، بل حياة فرح وأمان. فكيف لي أن أصمت الآن وأدع أفكاري تصمت، بعد أن عرفت كل هذا؟. فارحم ضعفي، لأن الدنيا قد ضاقت بعيني.
كيف فعلتُ كل هذه الأفعال التي طعمها كريه لديك؟...وكيف أقترب منك؟ دعْني، يا إلهي، لحزني. إني أريد الموت فيه. فأنا لا أستحقّ أن تعيدني لحضن الفرح بعد كل ما ارتكبت يداي. دعْني لناري، فأنا أستحقّ أن أُرمى بالنار...كي تحرقني كما حرقتهم بأفعالي السيّئة.
آهٍ يا مسيحي. أُحسّك تنظر إليّ. أرجوك لا. فنظرة محبّتك تحرقني...نظرة رحمتك تُعذّبني...فأين أختبئ منك كي لا تراني؟ إنك موجود في كل شيء...ووراء كل شيء...فكيف أختبئ، وأين أُداري وجهي؟. أبيداي...وأنت قد خلقتها وترى ماذا فعلَتْ؟...أين أُخبّئ قلبي كي لا تفحص نواياه...وعقلي كي لا تكشف أفكاره؟...وماذا أقول، وبماذا أعترف؟...وكم عليّ أن أبكي، ليالٍ وليال؟...وكم عليّ أن أركض وأركض هرباً من ذكرياتي التي تسلبني حريّتي وسلامي؟
والآن يا إلهي. لمَ تقترب مني أكثر وأكثر، مريداً أن تُمسك بيدي وتنتشلني مـن
مستنقع العذاب هذا؟. لا تقترب أكثر، فأنا خجِلٌ منك. وكأني عريان أمامك لا أجد ما أستر به نفسي!. إني أخاف أن تُمسك بيديّ اللتين لم تفعلا رحمة، كما أوصيتَ، ولا خيراً. بل سارعتْ دائماً لفعل الظلم والشر. لا تُمسكها، فقد تلوّثتْ وصارت مريضة بقبح ما ارتكبته".
فسمع صوت السيد في قلبه يناديه: "أعطني يدك يا يوحنا! قمْ وانهضْ من عذابك وحزنك. انهض من وحدتك وضيقك. قد غفرتُ لك خطاياك، وأعطيتك قلباً جديداً لتحسّ به...ويدين جديدتين، كي تعمل بهما أعمالاً صالحة...وعيوناً جديدة، كي تراني بهما. لقد وُلدت من جديد، فقم الآن من ألمك...فأنا حملت كل آلامك، ومُتّ كي تخلص نفسك...أتممتُ درب الآلام، وذقت كل الجراح...وذقت المرّ أيضاً.
جُرحتُ من خيانة يهوذا لي...ومن إنكار تلميذي الذي أسميته الصخرة. ولكن فرحت لعودته لي. تألّمت عندما ابتعد تلاميذي عني، ولكن فرحت عندما اجتمعوا معاً في العلّية يصلّون بنفس واحدة...فأظهرت لهم ذاتي، وتركت توما يلمس جراحي كي يؤمن. كان تلميذي الحبيب يوحنا واقفاً عند الصليب...لم يتركني، بل مشى ورائي درب الآلام...فأوصيته أن يهتم بأُمي...وأوصيت أُمي أن تهتمّ بأبنائي. كانت النسوة اللواتي يتبعنني ينُحنَ ويبكين عليّ. وأنا المُثقل بالجراح كنت حزيناً على أولادي الذين رأوا الأعاجيب والأعمال التي صنعت، ولكنهم نادوا: ‘ليُصلبْ‘! فرحت لأن مريم المجدلية، التي غفرت لها كثيراً، قد أحبّتني كثيراً، فاستحقّت أن تكون أول من نقل البشرى لتلاميذي".
فعاد يوحنا ليناجي الرب، قائلاً: "لمَ لم ينظروا إليك. لقد أحببتَهم! جاء إليك بُرصٌ وصُمّ وعُميان، وعادوا كلهم وقد برئوا. أتوا وراءك، فلم تتركهم يجوعون، بل كثّرتَ لهم الخبز والسمك. نادوك يطلبون رحمة، فجبلتَ طيناً وخلقت لهم عيونـاً
من جديد. ماتوا، فأحييتهم. تُرى ماذا أرادوا أكثر لكي يؤمنوا فيخلصوا؟! فمن أراد أن يحافظ على جسده العتيق، لا يمكن أن يتجدّد فيك. من أراد أن يغلق قلبه عن كلامك، لا يستطيع أن ينمو فيك.
لم يختاروك يا إلهي، لأنهم عرفوا أنه إما أنت أو المال والسلطة...إما أنت أو اللّذة والشهوة...إما الحياة معك أو الموت بعيداً عنك. لقد غفرتَ لهم، لأنك عرفت ألمهم وضعفهم ومرارة عيشهم.
وأنت، يا يسوع، قد ناديتني فسمعتك، وغفرتَ لي. فلن أعود الآن إلى حزن يريد أن يفصلني عنك. سوف أقوم من سقطتي. وتكفيني نعمتك. علّمني أن أكون قوياً بالروح، وأن يكون رجائي فيك ثابتاً".
فسمع يوحنا الربَ يهمس في قلبه: "عندما أردتَ أن تعود يوماً إلى بيتك مُثقلاً بالهموم، حملتك على منكبيّ كخروف صغير وعدت بك إلى حظيرتي. وأما الآن أقول لك: اذهبْ بسلام إلى بيتك. بشّر باسمي في كل مكان تطأه قدماك. أخبرهم بكل ما عرفته وما اختبرتَه من ألم وضيق، كي يؤمنوا أنه بدوني لا حياة ولا قيامة ولا رجاء، بل ظلام وبرد وعِوز.
قلْ لأحبّائي الصغار إنهم معي دائماً...ولن أتركهم، لأن الآب السماوي قد سُرّ أن يعطيهم الملكوت. قلْ للودعاء أنهم سيفرحون... وللحزانى أنهم سيتعزّون... للمظلومين، إني أنا سأُعوّضهم... للمسجونين، أنا حرّيتهم... للمرضى، أنا دواؤهم... للأطفال، أنا فرحهم... وللعجزة، أنا عكّازهم... للأرامل، أنا سترهم... وللمعاقين، أنا سندهم. قلْ للطيور، أنا سماؤها... وللسمك، أنا بحرها. فمن أراد أن يعيش فيّ، فليُقبل إليّ. ها أن يداي مبسوطتين للجميع.
قد قبلتُ دموعك. وسأعطي لسانك القوة، كي ينطق بحكمة وفرح...وقلبك ليكنْ مصغياً...وعقلك منفتحاً. اذهب بسلام!".
شكر يوحنا السيد...ثم قال مُسبّحاً: "قد تحيّرت الملائكة عندما رأوك توضع في قبر، فمجّدوا تنازلك، وقالوا: كيف للقبر الصغير أن يحتوي من لا يسعه مكان!...كيف للأكفان أن تكفّن من كسا الإنسان جسداً...والطبيعة جمالاً!. كيف للموت أن يغلب الحياة!. وعندما شهدوا قيامتك، صرخوا: قد تجدّدت الدنيا...فقد قام المسيح، ووهب الحياة لكل من رقد على رجاء اسمه...لكل من سقط تحت ثقل خطاياه، ولكل من أراد أن يقوم منتصراً على الشر.
ألا يا سيدي...لتسبّحك السموات والأرض...لتسبّح الخالق الذي ارتضى أن يموت حبّاً بخليقته...لتسبّح الخالق الذي قام، فصار لكل شيء لون جديد وطعم جديد...فرح جديد لكل أحبّائه...لأن فرح القيامة هو فرح أبدي".
وإذ بيوحنا قد وصل إلى باب القصر. فعرف أن وقت رحيله قد حان. لقد فهم الآن كل رموز القصر الكبير، وما يعنيه. إنه يمثّل حياة الرب يسوع، له المجد، على الأرض...كل وعوده...وآلامه...وموته وقيامته. وأدرك أن القصر الكبير هو لمحة من قلب الرب...من كِبر محبّته، ومن عِظم رحمته. وعرف أنه عندما أراد أن يبني قصراً كهذا القصر الكبير، كان يرغب أن يعيش بقرب السيد. كان يريد أن يبقى معه...وأن يحسّ في قلبه بعظمة ما رأى بعينيه.
إن القصر الصغير الذي بناه يوحنا يرمز إلى إيمانه وفضائله التي اكتسبها يوماً بعد يوم بالصلاة والصبر. إن قصره هو ثمرة حياته بقرب السيد. وتلك الزخارف والزينة هي ثمار إيمانه ورجائه ومحبّته.
لقد أحبّ يوحنا السيد من كل قلبه. وقدّم له حياته، متّكلاً عليه وواضعاً رجاءه فيه. ودّع الإخوة، وشكرهم على محبّتهم، وقال: "اليوم قد أذن لي السيد بالعودة. إني فرِح جداً، ولكني أيضاً حزين في نفس الوقت. فرِح لأني سأنقل البشرى إلى كل من سأصادفه في طريقي أو أعيش معه...فرِح لأن الرب دعاني كي أكون واحداً من الذين يبشّرون باسمه ويحملون النور للساكنين في الظلمة. فصلّوا لي كي أكون أميناً في خدمتي. سأحمل معي السنين التي عشتها هنا...وسأخبر الجميع عن السيد. فما أحلى وأعذب الحديث عنه! ما أجمل التأمّل فيه، وما أعمق أسراره!
سأعود إلى أهلي وقومي. ربما يرفضونني ويهزؤون بي...ربما يشتمونني ويطردونني خارجاً، ويقولون إني جُننت...وربما يجازونني على أفعالي القبيحة. لا أُنكر خوفي. ولكني واثق أن الله معي. قد أرسلني هو. وهو سيرعاني في كل طرقي. يحفظ نفسي من كل سوء. قد سلّمته حياتي. وأنا أعرف أنه الوحيد الذي يحميني، ويحملني على منكبيه كلما ضللت...وكلما تعبت...وكلما سقطت، كي أعود قوياً به وثابتاً فيه.
إني أحببت السيد، لأنه أحبني حتى المنتهى...ناداني من وادي ظلال الموت...ومدّ لي يده في الضيق…لأنه جاء إليّ، أنا المجروح على الطريق، ومسح جراحي بالزيت، وأوصلني إلى مكان أمين، ووهبني غذاءً روحياً.
إني حزين لأني سأرحل عنكم. ولكن تعزيتي هي أننا جسد واحد بالرب يسوع. لقد أحببتكم، فعلّمتموني كيف أحب نفسي، لأن الرب قد فداها. عرّفتموني معنى الحياة الحقيقية في المحبة، ومعنى الإتّضاع...معنى السلام والدفء...معنى الرحمة والذبيحة...ومعنى الصبر والوداعة. شممت هنا روائح عطركم الزكي...تذوّقت طعم طيب محبتكم...سقطت، فمددتم أياديكم لي، وساعدتموني على النهوض... أتيت غريباً، فقبلتموني... حزيناً، فعزّيتموني... وعطشاناً، فسقيتموني... أحسست بالوحدة، فزرتموني... وبالألم، فتقاسمتموه معي... كنتم لي أباً وأماً وأخوة وأصدقاء.
يعزّ عليّ أن أخسر صفاء عشرتكم. ولكن ذكراكم في قلبي لن ينقطع. فأنتم أحياء
فيّ بمحبة الرب. تكمّلوا في المحبة. واذكروني في صلواتكم".
رافق الشيخ يوحنا حتى الباب الكبير. وقال له: "انطلق يا يوحنا ببركة الرب. كنْ صامداً، فإنك ستواجه عقبات كثيرة. طريق الرب صعب، والثبات فيه أصعب. فعليك أن تكون وديعاً كالحمام...وحكيماً كالحيّات...بسيطاً كالأطفال...ومؤمناً مثل زكّا الذي صعد إلى أعلى الجمّيزة ليرى الرب، فأتى السيد وأقام عنده.
لقد اختبرتَ العالم سنيناً كثيرة. والآن سيكون لك خبرة من نوع جديد. ستعيش فيه، ولكن مع السيد. لذلك لا تبخل بما لديك. من طلب ثوبك، أعطه رداءك أيضاً...ومن سخّرك ميلاً، امشِ معه إثنين...ومن ضربك على خدّك الأيمن، حوّل له الآخر...لا ترمِ بالقدس للكلاب، ولا دررك أمام الخنازير. هكذا أوصانا السيد.
أطلبْ مشورة الروح القدس، كي تميّز إرادة الله المقدسة. واطلبْ تعزيته في الضيق. افتحْ قلبك دائماً على مصراعيه عند الصباح، كي يدخل نور الرب إلى كل ركن فيه. وسلّمه يومك كاملاً، ودعْه يعمل فيه. ليكنْ قلبك كالأرض الطيبة، فتُثمر كلمة الرب من خلالك ثلاثين، وستّين، ومئة. كنْ سراج نور لقريبك...وملحاً لغذائه، فيحسّ بطعم الحياة...وعكّازاً لكل أعمى، بالروح أو بالجسد، تصادفه في طريقك...وقيروانياً تحمل الصليب مع من ثَقُل عليه حِمله.
اذهبْ يا يوحنا، وكنْ فرِحاً دائماً...طويل الأناة...شاكراً. ولا تنسى أن تسبّح الرب في كل حين. واذكرنا في صلواتك".
 

عودة        الرئيسية